خبر : غزة: الفينيق الفلسطيني ...رجب ابو سرية

الجمعة 08 أغسطس 2014 01:12 م / بتوقيت القدس +2GMT
غزة: الفينيق الفلسطيني ...رجب ابو سرية



مثل طائر الفينيق تماماً، يبدو قطاع غزة، أو كما لو كان مثل شيخ ارنست همنجواي، يمكن تدميره، لكنه لا يستسلم أبداً، من يفكر قليلاً بذلك الشريط الساحلي، الذي بالكاد يصل عرضه من 5-10 كيلومترات، وطوله نحو 40 كيلومتراً، ويحده من الغرب البحر، ثم من الشمال والشرق العدو الإسرائيلي، فيما تفصل بينه وبين الشقيقة مصر، جارته من الجنوب، مئة وخمسون كيلومتراً، هي عرض شبه جزيرة سيناء، منزوعة السلاح، منذ عام 1978، من يفكر بهذا الشكل، لا بد له أن يتعجب من قدرة هذه المنطقة الضيقة والمعزولة عن عمقها الفلسطيني والعربي، والمكتظة جداً بالسكان، على الصمود في وجه أعتى آلة دمار وبطش في العالم، القوة العسكرية الإسرائيلية.
كانت غزة، أول المحرر من الأرض الفلسطينية، وأول مكان يشهد ولادة أول سلطة وطنية فلسطينية، وفي الحقيقة فإن غزة، ومنذ ما بعد النكبة، تشكل نقطة انطلاق، بل ربما منصة الوطنية الفلسطينية، منذ ان رد الفلسطينيون على النكبة، بإعلان حكومة "عموم فلسطين" برئاسة أحمد حلمي، ثم توالت السنين، لتتأكد هذه الحقيقة، حين تحولت غزة إلى حاضنة م.ت.ف، بجيش التحرير الفلسطيني، وبقيادة أحمد الشقيري، ولو استعرضنا بعد ذلك، مقاومة القطاع للاحتلال الإسرائيلي، الذي ووجه فوراً، ومنذ عام 67 بمقاومة شعبية مسلحة، ثم بانتفاضة شعبية عظيمة، وما بينهما، من قيادة أبناء القطاع لفصائل الثورة الفلسطينية التي دشنت عهداً جديداً من الكفاح الوطني ضد إسرائيل منذ معركة الكرامة 68 وحتى اجتياح لبنان عام 1982، لتبين لنا، أن غزة وأبناءها هم دائماً في طليعة الكفاح الوطني الفلسطيني، وان غزة تشكل المقدمة إلى أن يتم تحرير الأرض الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة.
لذا، فإنه بقدر ما مثلت غزة هذا القدر من الاستعداد للكفاح الوطني، بقدر ما تعرضت لرد الفعل القاسي من قبل أعداء الوطنية الفلسطينية، فالعدو الإسرائيلي زرع فيها العديد من المستوطنات على مساحة بلغت نحو 40% من أرضها الضيقة، فيما كانت دول الجوار تعامل فلسطينيي القطاع بكل دوافع الريبة والشك، نظراً لأن كل فلسطيني منهم إنما هو وطني بالفطرة، ومناضل بشكل تلقائي، فكان حملة الوثائق المصرية يتعذبون بشكل لا مثيل له في التنقل والإقامة والعمل في دول الجوار العربي، وإضافة إلى نحو مليوني مواطن يعيشون على أرض القطاع، هناك ما بين نصف مليون ومليون يعيشون في دول الجوار العربي، دون أدنى حقوق مدنية، ورغم ذلك فإنهم يتفوقون في التعليم والعمل.
من الواضح أنه، منذ أن اندلعت الانتفاضة الأولى قبل سبع وعشرين سنة، والإسرائيليون يتمنون أن تغرق غزة في البحر، وحين اشتد الصراع السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد تلك الانتفاضة وبعد حرب الخليج الأولى وانطلاق قطار مدريد/ أوسلو، والإسرائيليون يتبعون استراتيجية فصل غزة عن الضفة، ففي غزة اكتظاظ سكاني مع شريط ضيق من الأرض، فيما الصراع على الأرض هو في الضفة الغربية، التي تشكل مساحتها نحو ربع مساحة فلسطين التاريخية مع عدد سكان أقل، لذا فإن إسرائيل بمحاولة فصل غزة عن الضفة، تحاول أن تكسب الصراع مع الفلسطينيين على ارض الضفة بحيث تخرج بنحو نصف مساحة الأرض، أي بتقاسمها بين الفلسطينيين والمستوطنين، وفي سبيل ذلك تدفع بالأسباب الأمنية من نمط الاحتفاظ بغور الأردن لأسباب أمنية، وضم المستوطنات، وشق الطرق لوصلها وما إلى ذلك، مع أنها قد انسحبت من جانب واحد من غزة، وفككت مستوطناتها، وكانت فعلت مثل هذا الأمر حين فككت مستوطناتها في سيناء بعد كامب ديفيد 1978.
ربما نضع يدنا على الحقيقة حين نشير إلى أن أحد أهم أسباب الحرب الثالثة على غزة، كان سعي إسرائيل لتحقيق هذا الفصل، ولإدارة الصراع مع الفلسطينيين، بحيث يتحول إلى جبهة غزة، بعد أن ظهرت إرهاصات انتفاضة ثالثة في القدس والضفة مسنودة من فلسطينيي الـ 48، بعد "حرق" محمد أبو خضير، وما إصرار الإسرائيليين على إحداث كل هذا الدمار في غزة، إلا مؤشر على أنهم يسعون "لإغراق" أو لإشغال الفلسطينيين بقيادتهم السياسية عن الصراع معهم في الضفة والقدس، وانشغالهم في إعمار غزة، والذي سيحتاج عدة سنين.
ولأنهم يكيدون ويكيد الله، فإن غزة ستثبت أنها طائر الفينيق الخرافي الذي يخرج من تحت الرماد، فسرعان من تنطلق عجلة الإعمار، في ظل الوحدة الفلسطينية والتي كانت أهم نتائج الحرب الثالثة على غزة، وما هي إلا سنون قليلة، ويتم استخراج غاز غزة، وزراعة الورود والتوت الأرضي، فتدعم غزة الضفة، وتمدها بكل أسباب مواجهة الاحتلال الإسرائيلي إلى أن يغرب عن وجهها، حتى يتم إعلان انتصار الفلسطينيين - من غزة - في نهاية المطاف بتحرير الأرض وإقامة الدولة الموحدة.
Rajab22@hotmail.com