خبر : الحل ليس في القاهرة.... بقلم: هاني عوكل

الجمعة 08 أغسطس 2014 01:11 م / بتوقيت القدس +2GMT





أزيد من ثمانية أعوام على حصار قطاع غزة وعدوانات ظالمة كثيرة أحرقت الأخضر واليابس وجعلت من هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة محرقة ومنطقة منكوبة تحتاج إلى سنوات طويلة وإلى هدنة مستقرة حتى يعاد إعمار القطاع ويصلح للعيش الآدمي.
الناس في غزة ابتلت كما في كل مرة، بهذا العدوان الهمجي الذي حرث القطاع من شماله إلى جنوبه، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى مليارات من الدولارات وإلى إرادة دولية حقيقية حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل هذا العدوان البغيض.
لقد أثبت الفلسطينيون في هذا العدوان الهمجي الصهيوني، صموداً أسطورياً واستبسالاً وتضحيات دفعت من أجل التحرر والانعتاق من حصار لوّث كل حياتهم على سنوات طويلة، وبالرغم من المجازر والمحارق التي ارتكبها الاحتلال في القطاع، إلا أن أهل غزة واصلوا صمودهم دون تأفف أو تململ.
قد يقول قائل وما الذي يدفع الفلسطينيين للوقوف في وجه العدوان الصهيوني؟ الجواب يتعلق بأكثر من جانب، لكن الأهم هنا أن الاحتلال الصهيوني لا يعرف معنى السلام، وأكبر نموذج على ذلك يتمثل في الرئيس محمود عباس وفي السلطة الفلسطينية.
عباس حمل في يديه شجرة زيتون وليس غصناً فقط، وجعل السلام خياراً استراتيجياً ولم يسقطه من حساباته أبداً، على الرغم من أن الاحتلال الصهيوني عمق الاستيطان خصوصاً في أثناء المفاوضات التي كانت تنعقد في السابق بين الطرفين الفلسطيني- والإسرائيلي.
أكثر من ذلك، أن الرئيس عباس وافق على مفاوضات بضغط من وزير الخارجية الأميركية جون كيري قبل أكثر من عام، وظل الاستيطان مشتغلاً كل الوقت وفي حضرة المفاوضات، وأزيد من ذلك أن القدس كانت تنام وتصحو كل يوم على وقائع تهويدية عدوانية جديدة.
وبعد كل الذي فعله الرئيس عباس، يستكثر القادة الصهاينة عليه الذهاب إلى حكومة وفاق وطني فلسطينية، ويرفضون اعتباره شريكاً في عملية سلام هي غير موجودة في الأصل، حتى أن واحداً مثل وزير الخارجية الصهيونية أفيغدور ليبرمان وزمرة من أشكاله، يتطاولون على أبو مازن وعلى السلطة والقيادة الفلسطينية.
ليبرمان في آخر تصريحات أمام الكنيست الصهيوني الاثنين الماضي، قال إنه يعارض مشاركة الرئيس عباس في أية تسوية مقبلة بعد تثبيت هدنة في قطاع غزة، وليس هذا حال لسان ليبرمان فقط، إنما يتفق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع هذا الرأي.
لقد عمل نتنياهو كل الوقت على تشويه صورة الرئيس أبو مازن أمام شعبه، عبر الضغط على الأخير لقبول الدخول في مفاوضات لن تفضي في النهاية إلى أي شيء.
إذا كانت دولة الاحتلال تتعامل هكذا مع أبو مازن، فكيف بها ستتعامل مع المقاومة الفلسطينية التي أثبتت للقاصي والداني قدرتها على الصمود أمام الطاغوت الصهيوني الذي لم يتمكن من تحقيق أهدافه في غزة، وقبوله بتهدئة مؤقتة أملاً في الحصول على إنجاز سياسي خلال فترة المفاوضات الحالية في القاهرة؟
إن ما يجري الآن في العاصمة المصرية، هو محاولات للتوفق في إيجاد هدنة طويلة الأمد تناسب جميع الأطراف، مع أن البون شاسع في هذا الإطار، خصوصاً وأن الاحتلال الصهيوني يصر على اعتبار غزة منزوعة السلاح وتجريد المقاومة من قوتها العسكرية.
لقد ذهب الوفد الاسرائيلي إلى القاهرة حاملاً هذه الرغبة التي من المؤكد أنها لن تتحقق، وفيما يجري حالياً مساعٍ لتمديد التهدئة المؤقتة، فإن وزير الخارجية الأميركية جون كيري يرى أن هذه المفاوضات فرصة لتوسيعها بما يشمل حل الدولتين.
يبدو من النقاش الجاري في القاهرة أن هناك موضوعات مؤجل الحديث عنها، مثل المطار وميناء غزة، وعلى الأرجح أن الوسيط المصري يكثف نقاشه حول آليات رفع الحصار عن القطاع وإعادة إعماره والسماح للصيادين بالصيد في عمق 12 ميلا بحريا، وإطلاق سراح دفعة من الأسرى الذين جرى الإفراج عنهم في صفقة الجندي جلعاد شاليت، مع دفعات مستجدة اعتقلت قبل وأثناء العدوان الأخير.
موضوع معبر رفح يعتبره الطرف المصري محصوراً بينه وبين الفلسطينيين، ولا علاقة لدولة الاحتلال به، وما يهم الأخيرة هو ضمان ومراقبة دخول مواد يمكن استخدامها في عمل المقاومة، أما مصر فقالت إن فتح المعبر مرهون باستلام الرئاسة الفلسطينية زمام العمل هناك.
في هذا الإطار لا يبتعد الأفق عن سيناريوهين لما يجري في القاهرة، فإما أن ينصاع الاحتلال لشروط المقاومة التي تتضمن بالأساس رفع الحصار عن قطاع غزة وتأمين الأخير بمستلزمات الحياة المعقولة، أو أن مفعول التهدئة المؤقتة سيبطل وسيتواصل العدوان الصهيوني على القطاع.
وقد ربطت المقاومة الفلسطينية تثبيت هدنة طويلة بالاستجابة لشروطها، في حين أنها مستعدة للأسوأ، لكن مع ذلك وفي حال عاد العدوان الصهيوني على قطاع غزة، فإنه سيقتصر على عدوان جوي وبحري وأرضي، ولن يشمل احتلال القطاع برياً.
في كل الأحوال، ينبغي أن تكون عين الفلسطينيين على ما يجري في القاهرة، والعين الأخرى على ضرورة معاقبة الاحتلال الصهيوني في المحاكم الدولية، سواء تم تثبيت هدنة طويلة الأمد أم في حال لم تتفق الوفود فيما بينها.
إن تجاهل العالم للمجازر الدورية والمتكررة التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني تحت أعين التواطؤ الدولي، هو ما يجعل الاحتلال يستمرئ ويتطاول على الشرعية الدولية وعلى كل القوانين والأعراف الإنسانية.
الاحتلال الذي تجاهل سلام أبو مازن الاستراتيجي، وكرس الانقسام الفلسطيني الداخلي وعمق احتلال الضفة وسيّج قطاع غزة وأمطرها بكل أنواع قنابله المحرمة دولياً، آن الأوان أن يدفع ثمن شيطنته وجرائمه وآن الأوان للمجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه فعل الاحتلال الفاضح والمخزي أمام ناظر العالم.
الحل ليس في القاهرة، لأننا إذا حصلنا على هدنة طويلة، فهذا لا يعني زوال الاحتلال، ذلك أننا أمام احتلال متكبر ومارق على كل المعاهدات والأعراف الدولية وسيمزق إن عاجلاً أم آجلاً أي اتفاق مع الفلسطينيين، الأمر الذي يدفعنا لاستكمال فعلنا المقاوم على كافة الجبهات، دون إسقاط حقنا في محاسبة الإجرام الصهيوني ومقاطعة كل منتجاته وتفعيل المقاومة الشعبية السلمية في كل مكان.
Hokal79@hotmail.com