دمشق القدس المحتلة وكالات رأى الخبيران الإسرائيليان في العلاقات الدوليّة، ألون ليفين وبوفال بستان، في ورقة عمل نشراها على موقعهما على الإنترنت أنّه بعد مرور أكثر من ستة أشهر على بداية موجة الثورات العربية في الشرق الأوسط، فما زالت التداعيات آخذة في الظهور، ومنها توجه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان للتخفيف من وتيرة انتقاده لإسرائيل على عكس الآونة الأخيرة، واهتمامه أكثر بما يحدث على حدوده، فحرب الاستنزاف المتصاعدة داخل سورية تهدِّد بإمكانية اصطدام نظام الرئيس بشار الأسد مع تركيا بشكل مباشر، ما سيعود بالسلب على علاقات الأخيرة بإيران.ولفت الخبيران إلى أنّ أنقرة حاولت في السنوات الأخيرة العودة لاحتلال الصدارة في المنطقة بعد قرن من سقوط الإمبراطورية العثمانية، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف اقتربت من الدول العربية، وتخلّت عن علاقاتها الإستراتيجية السابقة مع إسرائيل، وعملت على تحقيق نموّ اقتصادي مكّنها من إدارة ظهرها للغرب.إضافة للجهود التركية، فقد وقعت حوادث سهلّت على تركيا احتلال مركز الصدارة في المنطقة، ومنها: سقوط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي أبقى على قوّة عسكرية عربية وحيدة في الشرق الأوسط وهي مصر، لكنّها تحت قيادة الرئيس السابق حسني مبارك لم تستطع قيادة المنطقة. مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق لن تكون هناك قوات أجنبية في المنطقة، ما يحصر الصراع على الهيمنة بين الأتراك والإيرانيين، الذين بدؤوا يُقسِّمون بينهما مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.وتابعا أنّه في هذا السياق، تحوّلت سورية ولبنان إلى دولتيْ تماس بين القوّتين الإقليميتين، وهدفاً للنفوذ والتأثير من كليهما، وأشارا إلى أنّ الانتفاضة ضد نظام الأسد أضعف دور سورية كدولة تماس، وخلال فترة زمنية قصيرة، وعندما بدأت تتوالى التقارير عن قتل الجيش للمتظاهرين في عدّة مواقع، تحوّل أردوغان لواحد من أبرز منتقدي الأسد، وفتح الحدود، وأقام المخيمات للسوريين الفارِّين من مناطق القمع، والسماح بإدارة حملة الدعاية المضادّة للأسد من اسطنبول.وبحسبها، فقد أوشك الصدام بين البلدين في مرحلة معينة للتحوّل لمواجهة عسكرية رغم هشاشة الجيش السوري وضعفه بالمقارنة مع نظيره التركي، واقتربت قواتهما من الحدود المشتركة، ما زاد من حدّة التوتر في المنطقة، خاصّة بعد تحذير إيران لتركيا وإسرائيل من التدخّل فيما يحدث في سورية، مع العلم أن التحالف التركي مع سورية الذي مهّد لأنقرة الطريق للانفتاح على العالم العربي، إضافة لابتعادها عن إسرائيل، وأسهم في حلّ قضية إقليم الإسكندرون، أصبح يشكِّل عبئاً على كاهل أنقرة منذ اللحظة التي أقدم فيها النظام السوري على قمع الاحتجاجات الشعبية بوحشية.ويحدد الباحثان تضافر عدّة أسباب أدّت إلى تغيير الموقف التركي من إسرائيل: التغيّرات الهائلة التي عصفت بالشرق الأوسط، لم تستثن دولة عربية واحدة يمكن اعتبارها حليفاً لتركيا، عدا المملكة العربية السعودية حليفة الغرب، ويميل الأتراك الآن لتغيير النظام في سورية، وإسرائيل قد تلعب دوراً في هذا الأمر بشكل غير مباشر، فمجرّد التمركز العسكري الإسرائيليّ على الحدود السورية، سيضطرّ الجيش السوري للإبقاء على قوّاته متأهِّبة لصدِّ هجوم خاطف، مما سيسهِّل المهمّة على الأتراك حال اشتعلت الأوضاع على الحدود.وبرأيهما، الدولة العبريّة بإعادة العلاقات مع تركيا، وبضغط لوبي الصناعات العسكرية الإسرائيلية وقادة حزبيّون كثُر، لاستئناف العلاقات مع الأتراك، كما يريد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من حيث المبدأ استئناف العلاقات، لكنّه يرفض الاعتذار لأنقرة، ويبقى وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان المعوِّق الأقوى لإعادة العلاقات لطبيعتها.ويصل الباحثان إلى خلاصة مفادها أنّ النهج التي تبنّته تركيا بعد العدوان الإسرائيليّ! الأخير على غزة لخلق أزمة سياسية مع إسرائيل والتقرّب من الدول الراديكالية في الشرق الأوسط، انقلب ضدّها، فبعد عام ونيّف من حادث قافلة المساعدات التركية وأسطول الحرية الأوّل، تبنّت الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى موقف إسرائيل، ما عدا توجيه بعض الانتقاد لاستخدام القوة المفرطة، ونظر الجميع للحكومة التركية على أنها المحرِّك الرئيسي وراء إرسال قافلة غير شرعية يحقّ لإسرائيل اعتراضها.علاوة على ذلك، لفتا إلى أنّه كما تعاني جميع الدول التي تقرّبت منها تركيا على حساب علاقاتها مع إسرائيل اليوم، من اضطرابات داخلية، حيث تغيِّم سحب الشكّ والغموض على سورية ولبنان والأردن وإيران، وحتى بعد تبدّد تلك السحب وهدوء الأوضاع، ستحتاج فترة طويلة لتضميد جراحها، كما تُبدِّد الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في أوروبا حلم تركيا بالانضمام للاتحاد الأوروبي، والعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا ليست في أفضل أحوالها على خلفية موقفها من إسرائيل. في هذا الموقف، لم يعد أمام تركيا إلاّ مواصلة الصراع مع إيران في الميدان السوري، وربّما الكردستاني، ووجود إسرائيل واستقرارها في المنطقة، يمكن لتركيا استخدامه كورقة ضغط على النظام السوري وحزب الله، بينما ستحرص تل أبيب دوماً على متابعة الأحداث من بعيد دون تدخّل، على حد تعبيرهما.من ناحيته، رأى د. تسفي بارئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة ’هآرتس’ أنّ سوريّة يمكنها مواصلة الاعتماد على الدعم الإيرانيّ، مشددا على أن الضغط التركي على نظام الأسد لن يجدي نفعا، كما لفت إلى أنّ اتخاذ الدول العربيّة، بعد إعلان الجامعة العربيّة ودول مجلس التعاون الخليجيّ، باتت الأرض معبّدة لموقف عربيّ أشد حزمًا وأشد صرامة من نظام الأسد، وخلص إلى القول إنّ الموقف العربيّ المتشدد من النظام السوريّ ربّما سيفتح الباب على مصراعيه أمام التدخل العسكريّ الأجنبيّ في سوريّة، وسيمنحه الشرعيّة، ومن هنا تكمن قوتّه، كما حدث في ليبيا ضدّ نظام العقيد القذافي، على حد تعبيره. وعاد وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى بلاده بوعود سورية بـ«خطوات ملموسة» في مجال الإصلاح، تاركا للنظام السوري «مهلة أيام» للقيام بشيء ملموس «يقنع السوريين قبل أن يقنعنا»، كما قالت مصادر تركية رافقت أوغلو في زيارته «الماراثونية» إلى سوريا أمس، حيث اجتمع والوفد المرافق مع الرئيس السوري بشار الأسد لـ3 ساعات في حضور وفد سوري رفيع تقدمه وزير الخارجية السوري وليد المعلم، قبل أن يتحول الاجتماع ثنائيا، ويمتد إلى 3 ساعات إضافية بين الأسد وداود أوغلو الذي قال في تصريحات أطلقها لدى وصوله إلى العاصمة التركية إن لقاءه مع الأسد «يبعث على الأمل». ورفضت المصادر التركية الخوض في تفاصيل «الخطوات» التي ستتخذها تركيا فيما لو لم يستجب النظام السوري، مفضلة انتظار الأيام القليلة المقبلة.ووصف دبلوماسيون أتراك رافقوا داود أوغلو في زيارته إلى دمشق أجواء الاجتماعين بأنها كانت «صريحة جدا» وأن «كل شيء وضع على الطاولة». وأوضح هؤلاء ردا على سؤال عن «الأجواء الودية» التي قالت المصادر السورية إنها سادت الاجتماع أن «النقاش حصل في جو جدي للغاية، لكنه لم يتخط الآداب الدبلوماسية».وقال مصدر رسمي تركي لـ«الشرق الأوسط» إن الرسالة التركية التي نقلها داود أوغلو كانت واضحة، ومفادها أنه «ليس أمام النظام السوري من بدائل، يجب أن يتوقف سفك الدماء فورا، ولا أحد يريد أن يرى غير ذلك». وأضاف «الوقت يمر، والوقت ثمين جدا. وفي بعض الأحيان - كما هي الحال الآن - الوقت أهم من المضمون. مر وقت طويل أجرينا خلاله الكثير من الاتصالات والمحادثات، وما زلنا ننتظر حصول تقدم ما على الأرض في ما خص الإصلاح، لكن كل ما رأيناه هو المزيد من العنف». وفيما نقل المسؤولون الأتراك عن المسؤولين السوريين الذين التقوهم نيتهم القيام بخطوات مهمة على الأرض في هذا المجال، قال الوزير التركي «ليس المهم أن نقتنع نحن، أو أن يقتنع المجتمع الدولي. الأهم هو أن يقتنع الشعب السوري بنواياكم الإصلاحية ويرضى عنها». وأضاف «نحن نتحدث إليكم كأصدقاء وجيران وليس كدولة غريبة، ولدينا الحق بأن نقول ذلك».وأشار الوزير التركي إلى أهمية حصول تقدم سريع «ليس خلال شهر، وبالتأكيد ليس حتى نهاية شهر رمضان، فإذا كان سيحصل شيء ما، يجب أن يكون خلال أيام، ويجب أن نرى شيئا على الأرض خلال هذه الفترة».وفيما لم تصدر عن أوغلو أي تصريحات في سوريا، نقلت وكالة «سانا» الرسمية عن الرئيس السوري قوله إن «سوريا لن تتهاون في ملاحقة المجموعات الإرهابية المسلحة من أجل حماية استقرار الوطن وأمن المواطنين»، وإن بلاده «مصممة أيضا على استكمال خطوات الإصلاح الشامل التي تقوم بها وهي منفتحة على أي مساعدة تقدمها الدول الشقيقة والصديقة على هذا الصعيد»، بحسب ما قاله بيان رسمي صدر يوم أمس عقب زيارة الوزير التركي أحمد داود أوغلو، حيث وضعه الرئيس الأسد في «صورة الأوضاع التي شهدتها بعض المدن السورية نتيجة قيام المجموعات الإرهابية المسلحة بقتل المدنيين وعناصر حفظ النظام وترهيب السكان». وقال البيان إن الحديث خلال اللقاء «تناول الأحداث التي تشهدها سوريا»، حيث أكد الرئيس الأسد أن «سوريا لن تتهاون في ملاحقة المجموعات الإرهابية المسلحة من أجل حماية استقرار الوطن وأمن المواطنين لكنها مصممة أيضا على استكمال خطوات الإصلاح الشامل التي تقوم بها، وهي منفتحة على أي مساعدة تقدمها الدول الشقيقة والصديقة على هذا الصعيد».ونقل البيان السوري عن الوزير التركي قوله «إنه لا ينقل أي رسالة من أي أحد، وإن تركيا حريصة على أمن واستقرار سوريا، مشددا على أن المراحل التي قطعتها العلاقة الاستراتيجية بين البلدين جعلت قيادتي البلدين تشعران بأن أي أمر يحصل في أي منهما هو بمثابة شأن داخلي لدى الآخر، فكما تعتبر تركيا ما يجري في سوريا شأنا داخليا تركيا فإن سوريا أيضا لديها الاعتبارات نفسها في أي حدث تتعرض له تركيا». وأضاف البيان أن الوزير داود أوغلو شدد على أن «سوريا بقيادة الرئيس الأسد ستصبح نموذجا في العالم العربي بعد استكمال الإصلاحات التي أقرتها القيادة السورية»، وأن «استقرار سوريا أساسي لاستقرار المنطقة».وقال البيان إن اللقاء حضره «وليد المعلم وزير الخارجية والمغتربين، والدكتورة بثينة شعبان المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية، وعبد الفتاح عمورة معاون وزير الخارجية والمغتربين والوفد المرافق للوزير داود أوغلو».ولدى وصوله إلى أنقرة، عقد أوغلو مؤتمرا صحافيا قال فيه إن اجتماعه مع الأسد يبعث على الأمل، متوقعا خطوات مهمة على طريق الإصلاح خلال أيام. أوغلو الذي رفض الدخول في التفاصيل، أشار إلى أن «المهم ألا يتواجه الشعب مع الجيش السوري، وألا تحصل أحداث كما حصل في حماه».وقال وزير الخارجية التركي ردا على سؤال عن الرسالة التي حملته إياها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون خلال محادثتهما الهاتفية الأخيرة «نحن أوصلنا رسائل تركية فقط، واستفدنا أيضا من آراء الجانب السوري الذي تحدث عما يجري هناك». ولفت إلى أن السوريين هم من يحددون مستقبلهم، مشيرا إلى أن الأيام المقبلة ستكون حرجة ودقيقة من أجل التوصل إلى تسوية سلمية، مؤكدا أن تأمين السلام الداخلي والأمان هو الذي يحدد مستقبل سوريا.ودعا الوزير التركي إلى وقف إطلاق النار وعدم إراقة الدماء، مشيرا إلى أنه نقل رسالة خطية إلى الرئيس السوري من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وأخرى شفوية من رئيس الجمهورية عبد الله غل.وكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قال يوم السبت الماضي إن أحمد داود أوغلو سيزور سوريا المجاورة يوم الثلاثاء «لتسليم رسالة حازمة من تركيا» تتعلق بالأحداث الجارية في سوريا. وهو ما ردت عليه المستشارة السياسية والإعلامية لرئاسة الجمهورية بثينة شعبان بالقول إن داود أوغلو سيسمع «كلاما أكثر حزما» حول موقف بلاده من الأحداث الجارية في سوريا، رافضة التدخل في شؤون سوريا الداخلية من أي قوى إقليمية أو دولية كانت.وجاءت زيارة الوزير التركي إلى دمشق وسط أجواء مشحونة، مع تصاعد الضغط الدولي والعربي على نظام الرئيس بشار الأسد على خلفية القمع الدموي للاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ خمسة أشهر وراح ضحيتها ما لا يقل 2000 شهيد. من المدنيين. ويشار إلى أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قد شددت على أوغلو «دعم موقف واشنطن المطالب بعودة القوات السورية إلى ثكناتها فورا والإفراج عن السجناء».وكانت مصادر دبلوماسية قالت لوسائل الإعلام عشية وصول داوود أوغلو إلى دمشق إن زيارته تهدف إلى تسليم الرئيس السوري بشار الأسد «رسالة رسمية ولسماع شرح من القيادة السورية عن الأوضاع العامة في البلاد».وكان فريد هوف، المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، أجرى محادثات مع مسؤولين تركيين بأنقرة، وقد انضم رئيس الوزراء التركي إلى هذه المحادثات بعيدا عن وسائل الإعلام. وذكرت مصادر مطلعة على المحادثات أن زيارة هوف ركزت على زيارة داود أوغلو لدمشق والرسائل التي سيحملها إلى الأسد. وأضافت المصادر أن هوف أراد أن يعلم رد الفعل التركي إذا ما فشلت محادثات أوغلو في التوصل إلى نتيجة ملموسة. وقال المسؤولون الأتراك لهوف «الوضع في سوريا معقد للغاية. هناك خطوات إيجابية ثانوية لكنها غير مرضية»، مشيرين إلى إنهاء حالة الطوارئ التي استمرت في البلاد على مدار عقود.ونقلت صحيفة «حريات» التركية عن مصادر رسمية أن الرسالة الثانية لداود أوغلو هي دعوة نظام الأسد للإعلان عن موعد محدد لعقد انتخابات حرة تشارك فيها كل الأحزاب السياسية الراغبة في الترشح للانتخابات البرلمانية، بالإضافة إلى تشديده على ضرورة إطلاق سراح كل السجناء السياسيين والقيام بخطوات إصلاحية إضافية. وقالت الصحيفة إن قمة الأمن التي عقدها رئيس الوزراء يوم الاثنين «استعرضت كل التحركات المتوقعة التي يمكن أن تتخذها تركيا إذا ما قرر نظام الأسد المضي في قمع المتظاهرين وفرض العنف. وأشارت المصادر إلى أن كل الخيارات - الاقتصادية والسياسية والمتعلقة بالأمن - تمت دراستها»، مشيرة إلى أنه جرت «مناقشة تعليق بعض المشروعات المشتركة والآثار المترتبة على ذلك خلال الاجتماع»، موضحة أن مشاركة رئيس الأركان الجنرال أوزال في الاجتماع «أكدت على البعد العسكري للموقف في سوريا، فعلى الرغم من عدم قدرة المجتمع الدولي على إظهار رد موحد تجاه سوريا في الأمم المتحدة، فإن العنف المتنامي وحمام الدم يمكن أن يزيد من حجم الدعاوى المطالبة بالتدخل العسكري في سوريا. وقال مسؤولون أتراك إن كل الخيارات بما فيها إقامة منطقة عازلة في الجانب السوري من الحدود تمت مناقشتها على المستوى التقني».