رام الله سما حذر الاتحاد الأوروبي من عواقب «مأزق» أيلول (سبتمبر) المقبل إذا استمر الجمود في عملية السلام، وأكد أهمية تكثيف الجهود من أجل أن تتوصل «اللجنة الرباعية الدولية» إلى «صيغة مقبولة بالنسبة الى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي» تمكن من استئناف المفاوضات في الأسابيع الأولى من شهر أيلول، اي قبل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأبلغ ديبلوماسي رفيع في الاتحاد الاوروبي في حديث إلى «الحياة»، ان الاتحاد سيقترح على «اللجنة الرباعية» إصدار بيان يستند إلى القرار 181 الذي اصدرته الأمم المتحدة عام 1947 حول تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، موضحاً ان القرار 181 يشكل مدخلاً قانونياً «قد يمكن من الاستجابة لطلب إسرائيل الاعتراف بالهوية اليهودية باعتبارها وردت في القرار الدولي من جهة، والاستجابة لطلبات الفلسطينيين بالمحددات الرئيسية، منها الحدود والقدس واللاجئين من جهة ثانية». وسيتضمن البيان المزمع إصداره قريباً أسس الحل الشامل والدائم للنزاع وإقامة الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية. ويأتي الاقتراح الأوروبي في اطار سعي الديبلوماسية الأوروبية الى بلورة أفكار جديدة في غضون الأيام والأسابيع المقبلة من أجل عرضها على «اللجنة الدولية الرباعية» التي يفترض أن تنعقد قبل افتتاح الدورة المقبلة للجمعية العامة في 20 أيلول 2011. ويتوقع الديبلوماسي الأوروبي أن يثير الاقتراح حفيظة الفلسطينيين، لأن مفهوم الهوية اليهودية لدولة اسرائيل يغيّب في نظرهم حقوق فلسطينيي 1948. ونقل أن «الولايات المتحدة تحرص على صوغ مفهوم الهوية اليهودية، فيما يشدد الاتحاد الأوروبي على وجوب وقف الاستيطان». وإذا توصلت «اللجنة الرباعية» إلى وضع البيان، فانها قد تعرضه على مجلس الأمن أو على الجمعية العامة، ليشكل حينها مخرجاً من المأزق الذي يتهدد جميع الأطراف. وإذا أخفقت «اللجنة الرباعية» في أيلول المقبل مثلما أخفقت في اجتماع تموز (يوليو) الجاري في واشنطن، فإن المواجهة الديبلوماسية في الجمعية العامة ستكون حتمية بين غالبية دول العالم ضد الولايات المتحدة واسرائيل وبعض الدول الأوروبية، فيما جدد وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي التزامهم بالصمت حتى الآن وعدم الخوض في مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى حين انتهاء المحاولات الديبلوماسية. وحذر الديبلوماسي الاوروبي من تداعيات توجه الفلسطينيين إلى الجمعية العامة لطلب عضوية فلسطين. ووصف المبادرة بأنها «مشروعة» لكنها «ستضع الفلسطينيين في موقع المواجهة في الخريف المقبل مع الولايات المتحدة من ناحية واسرائيل من ناحية أخرى». وأوضح المصدر نفسه أن اسرائيل «تتوقع أن ترفع عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة من سقف طلبات الفلسطينيين، وقد يضاعفون الضغط على الرئيس محمود عباس إلى درجة ربما تدفع الأخير إلى الاستقالة». ويلفت المصدر الى ان مختلف الأطراف تخشى من تدهور الأوضاع في الدول العربية التي تشهد تغيرات كبيرة منذ مطلع العام، علماً بأن ما بات يعرف بـ «الربيع العربي» خلا إلى حد الآن من شعارات العداء للاسرائيليين أو اليهود. ويضيف «لكن، لا أحد يمكنه توقع مزاج ميدان التحرير في أيلول المقبل، وتأثير أي خطوة جديدة في الأمم المتحدة على الوضع في الأراضي الفلسطينية حيث تُجمع المؤسسات الدولية على جاهزية مؤسسات الدولة الفلسطينية» ويحذر من ان «الوضع قد يتحول إلى مواجهات مع قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، وسيتأثر حتماً بما يجري في الشارع العربي حيث تدفع الأحداث الجارية إلى تصاعد العنف». ويستنتج المصدر نفسه بأن «احتمال انفلات الوضع قد يدفع الرئيس عباس إلى الاستقالة، لأنه لا يقبل نهاية شبيهة إلى ما انتهى اليه الرئيس مبارك». ويؤكد الفلسطينيون استعدادهم لاستئناف المفاوضات على أساس الشروط الرئيسية المتصلة بحدود عام 1967 والقدس واللاجئين ووقف الاستيطان، فيما يؤكد المصدر الأوروبي «قبول اسرائيل العودة إلى طاولة المفاوضات ولكن من دون شروط مسبقة». وكان قد أُثير في الهيئات القيادية الفلسطينية أخيراً نقاشٌ حول نقل الملف السياسي من الادارة الأميركية الى الاتحاد الأوروبي، بهدف إعادة التوازن الى العملية السياسية. وذكرت مصادر فلسطينية أن رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض من أبرز الداعين الى بناء شراكة إستراتيجية فلسطينية-أوروبية بدلاً من الشراكة مع الولايات المتحدة. وقالت المصادر إن هذه الدعوات جاءت على خلفية عجز الادارة الاميركية عن إيجاد حل سياسي، الأمر الذي يستدعي البحث عن شريك إستراتيجي يعيد التوازن الى الملف الفلسطيني، ويخرجه من قبضة الولايات المتحدة. ويرى أصحاب هذا التوجه، أن الاتحاد الاوروبي قادر على لعب دور أكثر أهمية بالنسبة الى الفلسطينيين، خصوصاً في المحافل الدولية، ففي حال الاتفاق مع الاتحاد الاوروبي على صيغة ما للتحرك الفلسطيني، خصوصاً على الساحة الدولية، فإن تصويت دول الاتحاد الـ27 إلى جانب الاقتراح الفلسطيني، سيكون له تأثير كبير بسبب العدد الكبير للدول الاعضاء في الاتحاد أولاً، ولقدرة هذه الدول على التأثير على باقي دول العالم ثانياً. ويرى أنصار هذا الخيار، أن الموقف السياسي الأوروبي الحالي أفضل للفلسطينيين من مواقف مختلف الأطراف. ويشيرون في ذلك الى البيان الأوروبي عام 2009، الذي دعا الى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الاراضي المحتلة عام 67، وبضمنها القدس الشرقية، وذلك بخلاف المواقف الاميركية الداعية الى أخذ التغيرات التي جرت على الارض خلال الـ44 عاماً الماضية بعين الاعتبار، في إشارة الى المستوطنات، إضافة الى مطالبة الادارة الاميركية الفلسطينيين بالاعتراف بالدولة اليهودية كواحد من شروط العودة الى المفاوضات. وذكرت مصادر غربية، أن الاتحاد الاوروبي لعب الدور الاهم في إحباط مشروع بيان قدمته الولايات المتحدة الى الاجتماع الأخير لـ «اللجنة الرباعية الدولية» في واشنطن الثلثاء الماضي، وأشارت الى أن الأمم المتحدة وروسيا أيضاً عارضتا المشروع، الذي بدا منحازاً لاسرائيل في أربعة مسائل، هي: أولاً مطالبة الجانب الفلسطيني بالاعتراف بيهودية الدولة العبرية، وثانياً الإقرار بأن الحل السياسي المقبل سيراعي التغيرات التي جرت على الأرض، وهي المستوطنات، وثالثاً رفض لجوء الفلسطينيين الى الأمم المتحدة لطلب العضوية والاعتراف بالدولة، ورابعاً تأجيل التفاوض على القدس الى مرحلة تالية بعد التفاوض على الحدود والأمن. وكشفت مصادر ديبلوماسية غربية لـ «الحياة»، أن مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاثرين آشتون كانت على اتصال دائم مع رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض أثناء اجتماعات «اللجنة الرباعية»، وأن هذه الاتصالات أسفرت عن إلغاء مشروع البيان الذي بدت صيغته الاميركية شديدة الإجحاف بحق الفلسطينيين.