في حاجز قلندية نظر الينا حارس اسرائيلي مسلح حتى الرقبة، بوقفة "ليس لديكم ما تفعلوه في الحياة؟"، وأنصت بعدم تصديق عميق عندما شرحنا له المهمة التي أُرسلنا اليها – مباراة كرة قدم في اطار ما قبل كأس العالم بين منتخبي فلسطين وافغانستان. "من يهمه هذا، أوليس من الأفضل أن تتوجهوا لاعداد تقرير عن بيتار؟"، بل وسمعناه يصرخ نحونا من الجانب الآخر من الحاجز، الذي كان أمس بالذات وديا وسهلا على العبور، وكأننا نعيش في دول اوروبا وليس في مدخل برميل بارود قابل للاشتعال. ساعة سفر فقط من تل ابيب واذا بك تنتقل من البيت الاوروبي الذي تلعب فيه اسرائيل (التي أُلقي بها من آسيا بضغط من الكتلة الاسلامية في 1974) الى نزهة في آسيا الوسطى. الاستاد الوطني في الرام يستضيف مباراة المجاملة بين فلسطين، المرتبة 168 في التصنيف العالمي، ومنتخب افغانستان الذي يسبقه بمرتبتين (اسرائيل في المرتبة 30). قبل ثلاثة ايام فقط استضاف الافغان المباراة الاولى في طاجاكستان، وليس في بلادهم التي تعتبر منطقة حرب محظورة على المباريات. وفي المقابل، فان المنطقة التي يعيش فيها الفلسطينيون هي سويسرا الصغيرة، والفلسطينيون، الذين فازوا بـ 2: صفر في المباراة الاولى، جاءوا لاغلاق الحساب بسرعة وسلاسة، قبل اللقاء مع الخصم التالي – تايلاند. الطريق الى المونديال في البرازيل مزروعة بألغام بمعنى الكلمة، ولكنهم مؤمنون أبناء مؤمنين، مثلنا على الأقل. الاستاد الوطني في الرام ممتليء بما فيه الكفاية، ولكن ليس تماما. صور أبو عمار (ياسر عرفات)، أبو مازن (محمود عباس) وأبو رامي (رئيس الاتحاد جبريل الرجوب)، تبتسم الينا من كل زاوية. بعضهم يعانق أبو علي فيفا، ساف بلاتر. عشرة آلاف مشجع تقريبا يجلسون حول الساحة التي تُذكر بنتانيا أو حي هتكفا والمدرج السفلي في هرتسليا. رغم ان الحديث يدور عن مباراة تاريخية اولى للمنتخب الوطني على اراضي السلطة، فالجمهور كان منضبط نسبيا، والنتيجة الطيبة في المباراة الاولى تدفعه الى أن يدخل الاستاد ببطء. إذ من هي على الاطلاق افغانستان التي سندفع لقاءها عشرين شيكل للبطاقة. في هذه الاثناء، نحن نحصل على بعض الفلوكلور من المباراة الاولى في طاجاكستان. عطا الله، الذي أقلّنا من الحاجز، هو صديق مقرب من الرجوب. وهو يروي بأن الافغان لم ينجحوا في أن يتزودوا بزجاجات المياه، وبالتالي كبديل قدموا البطيخ في غرف تغيير الملابس. بشكل عام، الافغان، مثل فلياس فوغ في "80 يوم حول العالم"، اجتازوا نصف الكرة الارضية ووصلوا أول أمس فقط الى اراضي السلطة بعد أن مروا في الطريق على نيودلهي، دبي، عمان وجسر اللنبي. بل انهم لم يتمكنوا من التدرب في الاستاد قبل المباراة. في اتحادهم فكروا بعدم الوصول على الاطلاق الى اللقاءات أمام فلسطين، لانهم خافوا لسبب ما من الوضع الأمني. نحن نبحث عن أوجه شبه بين هذه المباراة ومباريات منتخبنا في رمات غان. هنا، رغم كل ما تعلمناه عن وطنيتهم، رئيس الوزراء سلام فياض لم يدخل مثل شمعون بيرس في الليموزين، ولا يُحدث دائرة نصر حول الساحة المزروعة بالعشب الاخضر. ولكن فياض وجبريل الرجوب ينزلان الى ساحة العشب ويتعانقان مع اللاعبين. آخر مرة كان يمكن رؤية مثل هذه الصور عندنا، كانت مع غولدا مئير، آبا ايبان ويسرائيل يشعياهو، ضد الاتحاد السوفييتي لليف ياشين في صيف 1956. فياض اجتاز أول أمس فقط عملية سنطور، ولكنه لم يفوت الحدث واحتل مكانا قرب الرجوب واحمد الطيبي. الأبرز هو انه لا توجد على الاطلاق يافطات دعاية حول الساحة الخضراء. غريب، ولكننا لم نسمع حتى ولا مرة واحدة "الموت للعرب". الفوارق الحقيقية توجد في منصة الشرف. في رمات غان الجميع يهجمون على جبال الطعام وكأنه لا يوجد غد، أما هنا فيقدمون أساسا أسلالا من الفواكه – الموز، الدراق، العنب البلدي، الأجاص البلدي، الليتشي والمانغا. بويكي الذي يزود الاستاد في رمات غان بالمواد الغذائية ما كان سيربح على هذه حتى ولا شيكل. بدون جوقة الشرطة المدرب الفلسطيني هو موسى بزاز، فرنسي من أصل جزائري، لعب في سوشو الفرنسي ورفعه حتى منتصف النهائي العالمي في 1980. منتخبه يعتمد على لاعبي بطل الضفة الغربية من مخيم الأمعري، ولكن النجم هو بالذات مراد العيان حامل كأس القدس. الدفاع هو عمر جارون يلعب في تامبا بي الامريكي، أما اللاعب المتقدم، روبرتو أدوالي، فوصل من الدوري الاول في تشيلي. نصف مليون فلسطيني، معظمهم مسيحيون من منطقة بيت جالا وبيت لحم يسكنون اليوم في تشيلي، و100 ألف آخرون يعيشون في هندوراس. في الخامسة بعد الظهر بالتوقيت المحلي يقف الجميع لسماع النشيدين الوطنيين. الفلسطينيون، رغم عظمة الساعة وخلافا لما هو متوقع، يحافظون على درجة اهتمام منخفضة، دون جوقة الشرطة، ودون يشاي ليفي الذي يتباكى على البيت الاول. في الدقيقة الـ 11، حارس المرمى الافغاني يتلقى ضربة من حسام الوادي، فيثور الجمهور بـ 1:صفر. علي أبو كبش، موهوب ابن 21، يبث بالبث الحي والمباشر الى القناة الرسمية اللحظات التاريخية، ومن الخارج تتسلل الرائحة المسكرة للبسطات التي تُباع فيها الفلافل، الترمس بالليمون والكستناء الساخنة، مثلما قرب استاد دي فرانس. الرجوب يجيب على اسئلتي العادية، التي لا يأبه لها منتخب اسرائيل، وبالتالي ما الذي يوجد للحديث فيه على الاطلاق عن مباراة بين المنتخبين. ولكنه سعيد بوصولنا الى هنا كي يتبين لنا بأن هم ايضا يريدون أن يعيشوا المباهج الصغيرة، البسيطة للحياة. أُشير الى احمد طيبي بأننا هنا فيرد علينا ألا أقفز على سبيل الخطأ فرحا بالأهداف الافغانية. قلت له إن القفزات أُبقيها لدورون كوهين، الذي ولد أبواه في رهط، على مسافة خمس ساعات سفر من كابول. وتمكن الفلسطينيون من اصابة العارضة بثلاث كرات، ولكن بلال آرزو من افغانستان حقق 1: 1 الامر الذي لم يساعد رفاقه، وذلك لان فلسطين ستلعب في المرحلة القادمة في 23 تموز في بانكوك. بعد اربعة ايام ستلتقي تايلاند في دورا قرب الخليل. ويتوقعون هناك 20 ألف متفرج. عندما خرجنا الى الشارع، أفعمت أنوفنا رائحة الفلافل ولكن السور الذي يقطع الشارع الرئيس في الرام، قاتم حتى أكثر من ذاك الذي كان بين شرق وغرب برلين، لا يزال يشير الى أن هناك في طريق عودتنا لا تزال جبال أعلى.