رام الله / سما / في مؤتمر تحول الى تظاهرة ثقافية امتدت ثماني ساعات، احتفى مركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس، بثقافة وابداعات المعتقلين الفلسطينيين، المؤتمر الذي جاء تكريسا لمنهج المركز في ابراز قضية الاسرى ،بحيثيات وآفاق جديدة ،لم يجري العمل عليها مسبقا ،والتي تتماشى مع اهداف المركز في اعادة صياغة الادوات وآليات العمل المتبعة وطنيا في الدفاع عن قضية الاسرى العادلة ،والتي تتلخص في ترك المادة الثقافية والابداعية والفنية هي التي تتحدث باسم الاسرى وقضاياهم ،والتي من خلالها سيعرف العالم باجمعه ،ما بداخل هؤلاء الابطال من رسالة انسانية تتلخص في المطالبة بحقوق الانسان الاساسية ،والتي تقف البشرية صفا واحدا بعملية الدفاع عنها . وشهد المؤتمر الذي عقد في قاعة الهلال الأحمر بمدينة البيرة في الخامس والعشرين من حزيران، تقديم ثلاثة وعشرين ورقة بحثية تناولت بمجملها اوجه التجربة الثقافية والابداعية والفكرية التي جسدها المعتقلون على مدى سنوات العطاء المثابر خلف القضبان ، وذلك في اربع محاور رئيسية جرى خلالها تغطية كافة اوجه الابداع ،عبر من صاغوا هذا الابداع. وقد ابتدأ المؤتمر بكلمة ترحيبية من قبل ا فهد ابو الحاج مدير عام مركز ابو جهاد ،رحب خلالها باسمه وباسم اد سري نسيبة رئيس الجامعة وكافة العاملين فيها بالحضور ،كما وابدى جزيل شكره لسيادة الرئيس محمود عباس الذي عقد المؤتمر تحت رعايته ،ثم تطرق الى ان هذه التظاهرة الثقافية والفكرية والابداعية، تهدف الى تسليط الضوء بشكل علمي ومنهجي على ظاهرة وطنية انسانية لم تأخذ حقها من التأريخ والتوثيق والتحليل والنقد، لأسباب كثيرة، في مقدمتها قصور المؤسسات الثقافية الفلسطينية والعربية على هذا الصعيد. واشار ابو الحاج بان الحديث عن الحركة الاسيرة يقود الى الحديث عن ظاهرة منظمة، لها تقاليدها وتجلياتها، ولها نتاجاتها النوعية، التي ما انفكت تغني وتعمق الحالة الثقافية الفلسطينية بشكل عام، واناس اشعلوا الشموع بالارادة والتصميم والاعصاب واليقظة ومسابقة الزمن، فبددوا بذلك عتمة الغياهب المظلمة، فولدت خلف القضبان مئات، بل الآف النصوص الأدبية، بين شعر وقصة ورواية وخاطرة ونص مسرحي ولوحة تشكيلية ومقالة ادبية وسياسية وفكرية، وبين بحث معمق متخصص، وبين كتب متكاملة ألفها نخبة من مثقفي ومفكري الحركة الأسيرة، اصبحت في الخارج مراجع في ميادين شتى. ولفت الى ان تجربة الفلسطينيين مع الثقافة والابداع في الاعتقال، تضرب جذورها عميقاً عميقاً، حيث تحدى مناضلون معتقلون بأشعارهم الوطنية الاستعمار البريطاني، الذي نصب المشانق للثوار المكافحين، ونظم محمود درويش وسميح القاسم عدداً من قصائدهما في معتقلات الاحتلال الاسرائيلي، كما ان معين بسيسو الشاعر الفلسطيني الكبير أبدع اروع قصائده، حينما كان يقبع في الاعتقال. ثم عاد للتذكير بالسياق التاريخي لتبلور الحركة الاسيرة بعد احتلال الجزء المتبقي من الاراضي الفلسطيني في العام 67، والتي سعى خلالها الاحتلال لتحويل المعتقلين الفلسطينيين الى ارقام لا حول لها ولا قوة، وقام بعزلهم عن عالمهم الخارجي، فركزت مخططات ادارة السجون على تفريغ المعتقلين من محتواهم الثقافي والسياسي والفكري، لترد الحركة الاسيرة ببرامج مضادة، قدم المعتقلون من اجل تثبيتها وفرضها تضحيات كبيرة، من خلال الشهداء الذين سقطوا في الاضرابات المفتوحة عن الطعام ابتداءً من اضرابات عسقلان، ومروراً بكل الاضرابات التي خاضتها الحركة الاسيرة ، لينتزع المعتقل الفلسطيني في المحصلة النهائية حقه في الدفتر والقلم والرسالة والكتاب والتقدم لامتحان الثانوية العامة ومن ثم الانتساب الى الجامعة . وذكر ابو الحاج بختام كلمته الافتتاحية على الهدف الرئيسي من عقد المؤتمر ، مشيرا ان هذا المؤتمر بقدر احتفائه بهذه التجربة، الا اننا سنحاول وضعها في اطار تحليلي منهجي، بهدف تبيان وابراز مراحلها وسماتها وابعادها ودلالاتها وتجلياتها، بغية القيام بعمل توثيقي وتحليلي مزدوج، يخدم في المحصلة النهائية التجربة ويعززها. وتخلل جلسة الافتتاح التي ادارها الدكتور حسن عبد الله، عدد من الاقتراحات والرؤى الممنهجة بخصوص التجربة الإبداعية للأسرى، حيث تحدثت الدكتورة ليلى غنام نيابة عن السيد الرئيس محمود عباس "ابو مازن" راعي المؤتمر، داعية الى مزيد من الاهتمام بنتاجات اسرانا، لأن ما ينتج عن هذه التجربة يشكل قيمة تأريخية ووطنية وثقافية. وحملت د.غنام تمنيات الرئيس للمؤتمر بالنجاح، مؤكدة ان قضية الاسرى بشكل عام لها اولوية خاصة لدى المستوى القيادي الفلسطيني. أما عيسى قراقع وزير شؤون الاسرى والمحررين، فقد سلط الضوْء في كلمته على تجليات التجربة الابداعية للمعتقلين، مبرزاً أهم خصائصها وسماتها، داعياً الى ايجاد آليات جدية للتعاطي مع هذه النتاجات، للتعريف بها وتعميمها. وطالب الوزير قراقع باقرار مساقات خاصة عن تجربة الحركة الاسيرة في الجامعات الفلسطينية، اسوة بما بادرت اليه جامعة القدس. ومن جانبه عقب قدورة فارس رئيس نادي الاسير الفلسطيني، على الاجراءات التي دعا اليها نتنياهو، للتضييق على الاسرى. وحث فارس المؤسسات القانونية والحقوقية في العالم للتعامل مع ذلك بجدية، مطالباً بدعم واسناد الاسرى، لكي لا يكونوا وحدهم في المواجهة. الأمر ذاته الذي ركز عليه د. واصل ابو يوسف في كلمته التي القاها نيابة عن الحركة الوطنية الفلسطينية. المؤتمرون رأوا في تجربة فهد ابو الحاج مدير عام مركز ابو جهاد، مثالاً حياً على تجربة الابداع والتعلم الذاتي للمعتقلين، لاسيما وانه قد اعتقل أمياً، وتخرج باحثاً، مدعماً مسيرته بالالتحاق بالجامعة وهو مرشح الآن لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية. وقد استعان المركز بادارة الجلسات بثلاثة أكاديميين فلسطينيين لهم باع في متابعة التجربة الثقافية للمعتقلين وهم: الدكتور عبد الكريم ابو خشان، الدكتور سمير شحادة، الدكتور عبد المجيد سويلم. وقد توزعت جلسات المؤتمر على اربعة محاور، تناول المحور الأول التجربة الثقافية للمعتقلين الفلسطينيين بشكل عام، فيما تركز المحور الثاني في التجربة الابداعية (شهادات شخصية)ـ اما المحور الثالث فناقش تجربة التعليم الذاتي في الاعتقال، وأخيراً تناول المحور الرابع تجربة المعتقلين في الصحافة والترجمة. وجاء تسلسل اوراق العمل المقدمة الى المؤتمر كالآتي، محمد البيروتي (السياق التاريخي للتجربة الثقافية)، راضي الجراعي (اسهامات المعتقلين في التجربة الثقافية والفكرية الفلسطينية)، رولا ابو دحو (التجربة الثقافية للمعتقلات)، حافظ ابو عباية (سمات وخصائص التجربة)، فيما قدم عوني فارس ورقة عمل ركزت على محطات مهمة في التجربة. وقرأ حلمي الأعرج نيابة عن الاسير عصمت منصور ورقة عمل حول علاقة الذاتي بالموضوعي في التجربة الابداعية في الأسر. أما الجلسة الثانية، فقد شهدت تقديم عدد من المبدعين شهاداتهم الخاصة حول تجاربهم في الاعتقال وهم احمد ابو غوش (الشعر)، وليد الهودلي (القصة والرواية)، وحسن عبد الله (الرسالة)، وسام الرفيدي (الرواية)، نافذ الرفاعي (الرواية)، اريج العروق (الفن التشكيلي). وبخصوص تجربة التعليم الذاتي، قدمت اراق لكل من فهد ابو الحاج، حاتم شنار، ربيحة ذياب، عمر عساف، ناصر عودة، امجد العمري، محمد ابو لبدة، خديجة ابو عرقوب. واكد فهد ابو الحاج ان المركز سيكرس جهده في الشهرين المقبلين من أجل تنفيذ توصيات المؤتمر، وفي مقدمة ذلك بلورة لجنة بحثية ذات كفاءة، تهتم بجمع وتنقيح واصدار نتاجات المعتقلين والمحررين التي تصل المركز، لكي لا يكون المؤتمر ذا طابع احتفائي فقط، بل ويستند إلى آليات عملية تنفيذية ممنهجة. واضاف ابو الحاج، تعاقدنا مؤخراً مع كفاءات بحثية مشهود لها، بغية تفعيل عملية التوثيق والتأريخ والتحليل لهذه التجربة الريادية، ونستطيع القول الآن وبكل ثقة اننا دخلنا مرحة نوعية من العمل. وفي ختام المؤتمر اعلن فهد ابو الحاج ان المؤتمر الثاني الاستكمالي سيعقد بعد ستة شهور، بعد ان يكون المركز قد جمع ونشر جميع اوراق العمل في كتاب خاص. وفي ختام جلسات المؤتمر ،استغل ابو الحاج الحضور في توجيه رسالة الى حكومة الاحتلال الاسرائيلي ،ادان فيها عزم الاحتلال لتنفيذ سلسلة من الاجراءات التي تضيق الخناق على الاسرى ،وسحب كافة انجازاتهم وحقوقهم التي انتزعوها عبر نضالاتهم الطويلة والمريرة ،والتي عبدوا طريقها بعشرات الشهداء ،وبسنين عمرهم . ونوه ابو الحاج الى مسالة في غاية الاهمية اغفلها رئيس وزراء حكومة الاحتلال الاسرائيلي ،وهي حقيقة ان كل الانجازات والمكاسب التي حصل عليها الاسرى داخل السجون ،لم تكن منحة من مصلحة السجون او من اي رئيس وزراء لاسرائيل ،بل جاءت عبر مشوار نضالي طويل ،وانتزعها الاسرى ،دون ارادة الطرف الاسرائيلي . كما لفت ان الزمن لم يتغير كثيرا ،فمثلما انتصر الاسرى دائما بمعركة البقاء ، فان الاسرى سينتصرون ايضا في هذه المعركة ،مهما بلغت ذراوتها وبطشها بحقهم ، لا سيما ان مصلحة السجون قد شرعت فعلا ،باستهداف قادة ورموز الحركة الاسيرة وعلى رأسهم عميد الاسرى نائل البرغوثي ،والذي قامت ادارة السجون بعزله نتيجة رفضه الامتثال لاوامر التفتيش العاري . وطالب ابو الحاج كل ابناء شعبنا والشعوب العربية والاسلامية والصديقة للشعب الفلسطيني بضرورة الوقوف الى جانب الاسرى ،وفضح ممارسات الاحتلال بحقهم ،لاجبار اسرائيل على وقف هجمتها المسعورة عليهم ،والتي تهدف الى الانتقام والقصاص منهم ، بعد فشل وتعنت نتنياهو بدفع ثمن الافراج عن الجندي الاسير "جلعاد شاليط " .