في تموز 1997 انهار الجسر المؤقت الذي أُنشيء للتمكين من نقل وفود المكابية فوق جدول اليركون. سقط مئات الرياضيين وفيهم اعضاء الوفد الاسترالي في ماء الجدول الملوث؛ ومات اربعة منهم في حين جُرح 69. تحذر الجهات الامنية الآن من "كارثة المكابية الثانية" في مكان أكثر حساسية بكثير، عند مدخل جبل الهيكل (المسجد الاقصى) فوق باحة حائط المبكى. حبكة القصة ملتوية واليكم تلخيصها: في شتاء 2004 انهار جزئيا الطريق الترابي الذي أفضى الى باب المغاربة. وهذا الباب في أعلى حائط المبكى هو الوحيد بين أبواب جبل الهيكل الذي تملك دولة اسرائيل مفاتيحه. وهذا الباب ايضا هو الباب الوحيد بين أبواب الجبل الذي يستعمله ناس قوات الامن وزوار ليسوا مسلمين (يهود وآخرون). في غضون اسابيع قليلة التفت سلطات التنفيذ على سلطات التخطيط. عرّفت الجسر الخشبي المؤقت بأنه "منشأة امنية" هدفها التمكين من دخول سريع لناس قوات الامن الى الجبل في حالة طواريء. بُني الجسر المؤقت بسرعة كبيرة على إسقالات اقتطعت نحوا من ثلث مساحة المنطقة المخصصة للنساء من باحة حائط المبكى. وكان الجسر ايضا قبيحا جدا. وعد بُناته بأن ينشأ سريعا الجسر الثابت الذي يلائم منظره الموقع ذا الأهمية الدينية والقومية والتاريخية، لكن الامور تعقدت على مر السنين كما يمكن أن تتعقد في القدس فقط. فقد هاجم كبار علماء الآثار الخطة الأولية للجسر الثابت ورفض خبراء القانون قانونيته. واحتج متظاهرون فلسطينيون على أعمال حفر الانقاذ الأثرية في المكان. وعبّرت الولايات المتحدة عن قلق وأرسلت تركيا وفد تحقيق وتدخلت الامم المتحدة. في كانون الثاني الاخير انقضى سبعة أشتية منذ كان "الجسر المؤقت". تحذر الآن بلدية القدس وصندوق تراث حائط المبكى وسلطة الآثار وجهات أمنية من "كارثة المكابية الثانية". وهي تلح على الحكومة أن تتخذ قرارا فوريا على تحقيق رخصة البناء لجسر ثابت جديد. أصدرت لجان التخطيط البلدية الرخصة في شهر آذار الاخير بعد اجراءات ترخيص طويلة متعبة شارك فيها الاردن واليونسكو ايضا. والاردن، برغم التنسيق الوثيق معه، هو الذي بادر هذا الاسبوع الى قرار التنديد باسرائيل في اليونسكو بسبب خطة بناء جسر المغاربة الجديد. تصف سيناريوهات الرعب التي ترسمها الجهات المختلفة في الغرف المغلقة، حادثة يندفع فيها بمرة واحدة مئات من رجال الشرطة الى الجبل إثر حادثة أمنية أو إخلال بالنظام يقع فيه وينهار لذلك الجسر الخشبي المؤقت الذي تدعمه اليوم إسقالات حديدية قوتها غير واضحة فينهار مع رجال الشرطة الى منطقة مساعدة النساء التابعة لحائط المبكى. وتكون النتيجة الممكن في هذه الحال عشرات القتلى من رجال الشرطة ومن المصليات. ويصف سيناريو مشابه آخر انهيار الجسر وفوقه مجموعات من السياح. وضع مادي مختل النغمة الاخيرة في اللحن الناشز للمعزوفة غير المنتهية المسماة "جسر المغاربة"، هي رسالة مهندس العمارة شلومو اشكول، مهندس بلدية القدس. أبلغ اشكول في المدة الاخيرة برسالة رسمية الى صندوق تراث حائط المبكى أن عليه أن يعمل فورا على وقف استعمال الجسر المؤقت وهدمه بل أن يبدأ بناء الجسر الجديد. يؤكد اشكول قائلا إن "الجسر المؤقت لم يُخصص ليكون حلا ثابتا. فهو لا يلائم الحاجات الامنية والمدنية... وقد يصبح خطرا بسبب وضعه المادي المختل وينبغي العمل على وقف استعماله وهدمه". ويُبين مهندس بلدية القدس في رسالته أنه اذا لم يهدم الجسر عند أسفل جبل الهيكل خلال 14 يوما فان البلدية ستتمسك بالوسائل القانونية لهدمه. أضاءت رسالة اشكول التي يؤيدها رئيس البلدية نير بركات، مصباحا احمر في ديوان رئيس الحكومة. فوضع الجسر المشكل معروف هناك جيدا. ويزعمون أن ثباته يُفحص عنه على الدوام، لكنه تقوم في المقابل "تقديرات مشروعة اخرى" و"مصالح حيوية جدا لدولة اسرائيل"، يرفض الحديث عنها جميع أطراف الجدل العاصف في جسر المغاربة. غير أن السر مكشوف. وقد تم الكشف عن أطراف خيوط كثيرة له. يتحدث عنه الآن بصراحة اثنان من الاشخاص الذين كانوا مشاركين في الماضي غير البعيد في جهاز اتخاذ القرارات المتعلقة بجبل الهيكل: الاول في مجال التنفيذ وهو قائد الشرطة (المتقاعد) ميكي ليفي الذي كان في الماضي قائد شرطة القدس، والثاني باعتباره مستشارا وهو المحامي الدكتور شموئيل باركوفيتش، وهو خبير ذو صيت عالمي بالاماكن المقدسة في القدس طُلب اليه أيام حكومة اولمرت أن يُعد رأيا استشاريا عن قضية جسر المغاربة. يُسمون السر المكشوف الذي لم يتم التحدث عنه الى الآن، يسمونه الاردن. من الصحيح الى اليوم أن العائلة المالكة الهاشمية تستعمل حق النقض على بناء الجسر الدائم برغم أن الخطة عُرضت عليها بل انها مشاركة في اعدادها. يشترط ناس الملك عبد الله إزالة حق النقض بأن ينفذ الاردن بناء الجسر الجديد. وترفض اسرائيل هذا بكامل القوة، لكنها من جهة ثانية لا تطلق حتى الآن رخصة تنفيذ بناء الجسر الجديد. يُبين قائد الشرطة المتقاعد ميكي ليفي أن "المصلحة الاسرائيلية في السنين الاخيرة دفعت باجراءات كانت ترمي الى تعزيز مكانة الاردن في جبل الهيكل لتعادل مكانة الفلسطينيين وعناصر متطرفة كرائد صلاح وحركته الذين أشعلوا الجبل وأحدثوا فيه شغبا في احيان متقاربة. لهذا يشارك الاردن ويأخذون رأيه في الحسبان". ويكشف الدكتور شموئيل باركوفيتش ايضا عن أن "العلاقات بالاردن مهمة لاسرائيل اليوم الى درجة أنها مستعدة لأن تدفع عنها بمكانة وتأثير يُمنحان للاردن في جبل الهيكل. كان الاردن مشاركا في تخطيط وتنفيذ ترميم السور الجنوبي والشرقي من جبل الهيكل وفي تخطيط جسر المغاربة باعتبار ذلك جزءا من السياسة". نحتاج الى حليفة يُبين الدكتور باركوفيتش أنه "منذ أيام حكومة شارون، انتهجت حكومة اسرائيل نهج تعاون أمني ايضا مع الاردن. وناس الموساد هم الذين يعالجون هذا في الأساس. بل إن ميكي ليفي نفسه وناسا آخرين من الشرطة شخصوا عدة مرات الى الاردن. إن جبل الهيكل برغم كل حساسيته هو جزء من النصاب الخاص الذي حيك مع الاردن. يحتاج الاردن الى جبل الهيكل ليعوض نفسه عن فقدان السيطرة على الاماكن المقدسة للمسلمين في القدس اثناء حرب الايام الستة وليعوض نفسه عن الخسارة التاريخية للتأثير في مكة والمدينة". ويُبين باركوفيتش أن "اسرائيل في المقابل تحتاج الى الاردن في جبل الهيكل باعتباره حليفا أكثر اعتدالا وسلامة عقل بأضعاف من الفلسطينيين أو من مُحدثي قلاقل على الدوام كرائد صلاح. والنتيجة هي مشاركة الاردن العميقة في شأن جسر المغاربة. إن الاردنيين يرون القنطرة التي تفضي الى الجبل جزءا لا ينفصل عن الجبل وعن اراضي الوقف. واسرائيل لا توافق الاردن على ذلك موافقة تامة، وهكذا نشأت هذه الورطة التي تحتاج الى قرار شجاع للخلاص منها". على العموم يعتقد ميكي ليفي أن الاردنيين "أفرطوا في تناول هذا الامر. يجب أخذ رأيهم في الحسبان وإبلاغهم عن كل جديد لكن يوجد حد للتنسيق معهم ايضا. إن من يستسلم لطلبهم تنفيذ خطة جسر المغاربة يمنحهم في واقع الامر موطيء قدم في باحة حائط المبكى، ولهذا معنى صعب. يجب إبلاغ الاردنيين أننا قررنا تنفيذ وتحقيق الرخصة. يجب فعل هذا في يوم أحد كي تكون لدينا خمسة ايام لتهدئة الميدان حتى يوم الجمعة، واقامة الجسر سريعا – فهو مبني مثل الليغو – والتعرض لخطر رمي بعض الحجارة". من المهم أن نُذكر في الختام أن الحديث عن حفظ حياة زوار كثيرين لحائط المبكى. "يجب على اسرائيل أن تُبدل الجسر فورا لأنه اذا وقعت كارثة فستُلقى المسؤولية كلها علينا"، يحذر باركوفيتش. "لن يذكر لنا أحد أننا أخذنا موقف الاردن في الحسبان. ليس للفلسطينيين سلطة فعل هذا فهم لم يكونوا قط ذوي سيادة هنا ولم تعترف أية دولة في العالم ما عدا باكستان بسلطة الاردن على شرقي القدس". يقترح باركوفيتش أن تُقام في الموقع كاميرات وأن تُبث الاعمال بثا حيا للعالم كله كما حدث اثناء اعمال الحفر الأثري هناك. وهذه فرصة اسرائيل أن تُبين من جديد حدود السيطرة. في جبل الهيكل يُدير الوقف الذي هو اليوم ذو توجه اردني الموقع في حين أن اسرائيل مسؤولة عن الغلاف الامني. في مقابل هذا خارج الجبل كما في قنطرة المغاربة – اسرائيل هي صاحبة الامر. "اذا لم نسلك هذا السلوك سيطلب الاردنيون من الغد أن يكونوا مشاركين في أعمال الحفر الأثري عند أسفل الحائط الجنوبي وسيطلبون بعد غد التأثير في التخطيط العام لباحة الحائط الغربي ولن يكون لهذه الامور نهاية"، يزعم باركوفيتش. الشرع يمنع يحاول الاردن منذ عدة سنين أن يستغل "العلاقات الخاصة" مع اسرائيل للحصول على رخصة لانشاء مئذنة خامسة في المسجد الاقصى. أعلن الملك عبد الله رسميا أن هذه المئذنة ستقام. بل انه أمر باجراء منافسة لاختيار المصمم الذي سيخطط للمئذنة التي يفترض أن تنضم الى مثيلاتها في باب الأسباط وباب الحديد وباب السلسلة وباب المغاربة. واسرائيل تعارض هذا في هذه الاثناء على الأقل. في مقابل هذا مكّنت اسرائيل الاردن قبل بضع سنين من أن ينقل الى المسجد الاقصى المنبر المستعاد الذي تم احراقه على نحو كامل تقريبا بالنار التي أشعلها في المسجد الاقصى شاب استرالي مضطرب النفس هو مايكل روهان في 1969. مُنح الاردن في اتفاق السلام مع الاردن الذي وقع في 1994 أفضلية رسمية في الجبل. واعترفت اسرائيل بأن الاردن سيكون الجهة العربية الأرفع في الجبل عندما تنشأ تسوية دائمة. واسرائيل في واقع الامر تحقق هذه الأفضلية الآن في حين ما تزال التسوية الدائمة غير مرئية في الأفق. لكنها تلقت هذا الاسبوع صفعة معلنة من الاردن الذي بادر الى قرار التنديد باسرائيل في اليونسكو. يقول الحاخام شموئيل رابينوفيتش، حاخام حائط المبكى والاماكن المقدسة المسؤول عن صندوق تراث حائط المبكى، يقول انه يمكن من وجهة نظره الشرعية هدم الجسر الخشبي المؤقت واغلاق باب المغاربة. يعيش رابينوفيتش في تناقض داخلي؛ فهو يؤيد ويوالي الفتوى الحريدية التي تُحرم على اليهود دخول جبل الهيكل. والجسر سواء كان مؤقتا أم دائما يستعمله يهود يدخلون الى الجبل بخلاف الشرع بحسب تصوره. ومن جهة ثانية سينقذ بناء الجسر أرواحا وربما يُمكّن من توسيع باحة النساء وهو أمر سيتطلب تقديم خطة منفصلة. أصبح رابينوفيتش قد سجل انجازا من وجهة نظره: فالخطة الحالية لبناء الجسر الدائم تنشيء فصلا بين المتجهين الى الجبل وبين زوار حائط المبكى وهو غير موجود اليوم. يحذر بنيامين نتنياهو قرارا متعجلا كالحذر من النار لكنه يعلم أن عدم القرار قد يكون لعبا بالنار ايضا. يتذكر كيف انتهت في ايلول 1996 في ولايته الاولى لرئاسة الحكومة، قضية اخرى أجاز خلالها خرق منفذ دخول يفضي الى نفق الحائط الغربي. في أحداث الشغب التي نشبت في أعقاب تلك العملية والتي اشتهرت بعد ذلك باسم "اضطرابات نفق حائط المبكى"، قُتل عشرات من الاسرائيليين والفلسطينيين. واليوم يبارك كثيرون ذلك القرار الذي مكّن من استعمال موقع أنفاق الحائط الغربي لخدمة جماهير واسعة. لكن الثمن كان باهظا. يخشى رئيس الحكومة من امكانية أن يوحد قرار على بناء الجسر اليوم العالم العربي الذي يعاني انقساما وشقاقا وثورات وأن يوحده على اسرائيل تحت الشعار الكاذب "الاقصى على خطر". ومن جهة ثانية لا تحتاج الى أن تكون مهندسا ذا اجازة كي تفهم أن الجسر "المؤقت" هذا ليس ذروة الثبات. إن المستوى المختص من الشرطة يخالف الرأي الاستشاري لبلدية القدس في شأن خطر انهيار الجسر، لكن يكفي أن تسير فوقه في يوم تهب فيه ريح خفيفة لتشعر بهذا. ستقع المسؤولية في هذه الحالة مهما تكن على نتنياهو. اذا انهار الجسر فسيتهمونه. واذا تضررت العلاقات الخاصة مع الاردن فسيتهمونه ايضا. يؤيد "الشباك" تبديل الجسر الخشبي فورا. ويعارض ذلك قائد شرطة القدس، نيسو شاحم. فهو يخشى اعمال شغب ويقترح انتظار وقت أسهل. وهناك من يتحدث عن نافذة فرص في حزيران – تموز ويقترح الابتعاد عن آب – حينما يبدأ رمضان وعن ايلول الذي ستصوت الامم المتحدة فيه على انشاء دولة فلسطينية. وهناك من يعتقد أنه يجب استغلال ايلول خاصة حينما يكون العالم مشغولا بشأن الدولة الفلسطينية لتبديل الجسر المؤقت. يمتنع نتنياهو حتى الآن عن القرار وهذا ايضا نوع من القرار.