تزداد الارقام سريعا، ويجب ان تثير الظاهرة التفكير: فاسرائيليون كثيرون يشتهون جواز سفر ثانيا. اذا كان شمعون بيرس قد ضمن ذات مرة "سيارة لكل عامل"، فقد أصبح جواز سفر (ثان) لكل عامل الآن مطمح النفوس. اذا كان آباؤنا حلموا بجواز سفر اسرائيلي فبيننا كثيرون الآن يحلمون بجواز سفر اجنبي. يُبين بحث في جامعة بار ايلان سينشر في مجلة "إيرتس أحيرت" (ارض اخرى) أن نحوا من 100 ألف اسرائيلي أصبح لهم جواز سفر الماني. وقد زادت الظاهرة في العقد الاخير وينضم اليهم كل سنة نحو من 7 آلاف اسرائيلي. ويجب ان نضيف اليهم آلافا من الاسرائيليين ذوي جوازات سفر لدول اخرى ولا سيما من اوروبا. التعليلات مختلفة وغريبة، لكن يقوم في أساسها جميعا الضيق والخوف، الشخصيان والوطنيان: فقد أصبح جواز السفر الاجنبي هنا شهادة تأمين ليوم عاصف؛ ويتبين انه يوجد عدد يزداد من الاسرائيليين يعتقدون ان هذا اليوم قد يأتي. أصبح جواز السفر الاسرائيلي في السنين الاخيرة عمليا وناجعا. فهو يفتح أبواب أكثر دول العالم ما عدا جزءا من العالم العربي والاسلامي. يصعب الايمان بأن طالبي جواز السفر الآخر يفعلون هذا للاستجمام في طهران، وللتجول في بنغازي أو للتنزه في صنعاء. كذلك الاحتجاج بأن جواز سفر اوروبيا يُسهل دخول الولايات المتحدة لا يستطيع استنفاد تفسير الظاهرة التي لا مثيل لها في الدول المتقدمة. لا ينبغي التنديد بهذه الظاهرة. فهي تُعبر عن مزاج عام، وهي نتيجة طبيعية مفهومة للمخاوف الحقيقية والمتوهمة التي زُرعت هنا. عندما تبجح ابراهام بورغ قبل بضع سنين بجوازه الفرنسي علت هنا صرخة عامة باطلة. يجوز لنا أن نفترض ان بعضا من الصارخين فعلوا ذلك لانه لا امكانية لديهم مثله لأن يحرزوا لأنفسهم جوازا آخر، وربما يكون الآخرون قد احتشدوا في اثناء ذلك في الصف أمام سفارة ما. كذلك فان حقيقة ان المانيا، من بين جميع الدول، هي مطمح النفوس، لا يجب ان تثير مشاعر غضب أو عار. وقد تحولت المانيا منذ زمن عند اسرائيليين كثيرين لتصبح دولة ككل الدول: فالوزراء يركبون سيارات "آودي"، والغسالات ذات النوعية الالمانية من هناك. فعلت حملات التخويف فعلها، ويرد طالبو الجوازات عليها ردا عقليا واعيا. يتبين انهم أكثر منطقا من قادتهم: فاذا كان هؤلاء يُخيفوننا كثيرا بالقنبلة الايرانية وبالاخوان المسلمين في مصر وغزة، واذا كان كل شيء يهدد بأن يصبح "محرقة"، فانه يجدر التزود بوسائل حماية مناسبة مثل جواز سفر آخر. إن من يعتقد ان جوازا آخر هو عار وطني وخزي اجتماعي مدعو الى البحث في مصادر الشوق اليه. لو كان عندنا قيادة تستحق هذا الاسم بدل ان تزرع المخاوف تعمل في مضاءلتها، وبدل ان تثير الرعب تبث الأمل لقصرت الصفوف أمام سفارات المانيا منذ زمن. ينبغي ان نسأل في استقامة وشجاعة بدل ان نندد بطالبي جوازات السفر: لماذا يفعلون هذا؟ انهم يفعلونه لوجود من يخيفهم ولانه يوجد من يُعرض مستقبلنا هنا للخطر، بقدر لا يقل عن ذلك. أجوازات سفر؟ لو كان للشعب الفلسطيني جواز سفر واحد حقيقي فلربما لم يحتج الاسرائيليون الى اثنين. ولو حاولت اسرائيل ان تُقبل في المنطقة آخر الامر مع كل ما يقتضيه ذلك، فلربما فُتحت لها بجواز واحد اسرائيلي. ولو أن اسرائيل استجابت لنصائح صديقاتها في العالم ولا سيما دول اوروبا، فلربما ما كنا نحتاج الى جوازات سفرنا. لو كانت اسرائيل قوية ثابتة لكان مواطنوها يكتفون بجوازها. وحقيقة انه غير كاف لكثيرين تشهد مثل ألف جواز سفر على أن شيئا ما عميقا قد تشوش في الطريق. نشأت اسرائيل كي تكون ملاذا للشعب اليهودي من اوروبا أصلا، وهنا وفي هذا ما فيه من المفارقة التاريخية، أصبحت اوروبا خاصة ملاذا للاسرائيليين. من استطاع احراز جواز آخر مدعو بطبيعة الامر الى فعل ذلك، لكن يجدر ان يسأل في طريق عودته من السفارة أفعل بلده كل ما يستطيع كي لا يحتاجه. جواب ذلك بالنفي. ومع كل ذلك لن أطلب لنفسي جوازا آخر.