قبل 44 سنة دقت قلوبنا بقوة، عندما صدر صوت "جبل البيت في ايدينا". كل شيء حصل بسرعة، الحلم الذي لم نتجرأ على أن نحلمه أصبح واقعا. القلب، غير المعتاد على مثل هذه الاحاسيس، فاض على ضفتيه، وامتلأت العيون بدموع السعادة والفرح. كم احببنا القدس في حينه. كم تقنا في حينه للقدس وفرحنا فرحتها. اليوم، بعد 44 سنة، لم تعد القدس تثير عواطفنا مثلما في حينه. تهديدات تقسيم المدينة لا تشغل بالنا مثلما في الماضي. فقد أصبح الاسرائيليون غير مكترثين لمصير القدس، منقطعين عنها بعض الشيء. في نظر الكثيرين، اصبحت القدس عبئا أثقل من أن يحمل، عبئا يتدلى على الرقبة الشابة للاسرائيلية. وبينما يريد الوليد الاسرائيلي ان ينطلق الى الامام والى الاعلى فان القدس تجريه نحو ماضيه، الى الوراء والى الاسفل. القدس تعرض احيانا كمدينة غير ذات صلة، كمدينة أقليات، اصوليين وعرب. مدينة تشكل مشكلة، مشكلة تهدد سلام المنطقة بأسرها. ماذا حصل لنا ولقدسنا، حلم الاجيال؟ هل مصاعب بعضنا مع القدس تعاظمت بالذات مع تحريرها؟ وما معنى هذا الشرخ في التجربة النفسية الاسرائيلية؟ أحيانا يخيل اننا نفضل مواصلة الحلم على أن نعيش الواقع. الحلم رومانسي، مفتوح وغير ملزم. أما الواقع فيتطلب أجوبة، فعل، استعداد وتضحية. يخيل أنه أكثر من كل شيء آخر نصر نحن على أن نسلم بالحياة اليومية الروتينية والواقع القاتم، بحقيقة أن حلم تحرير القدس قد تحقق. طالما كنا نتابع القدس كنا نحبها جدا. نتفانى من أجلها ونعطيها كل شيء. ولكن ما ان قالت القدس نعم، منذ لحظة توحيدها، أغلقنا قلوبنا وادرنا لها ظهر المجن. مع تحرير القدس وبالاساس في العقدين الاخيرين نشأ تضارب حاد، بعيون من يتبنون فكرة تقسيم المدينة، بين رؤيا القدس كمدينة العدل، مدينة الشعوب، وبين حقوقنا الوطنية والتاريخية على القدس الحقيقية، قدس الاسفل. اولئك الذين يروجون لفكرة تقسيم المدينة، تبنوا الى قلوبهم رؤيا القدس ولكنهم هجروا القدس المتجسدة. والقدس بدأت تعتبر في نظرهم عائقا في وجه السلام، مشكلة غير قابلة للحل، عقدة متعذرة. معارضتهم لتوحيد المدينة جلبتهم الى حلم معاكس، الى امنية شبه رومانسية للقدس التي كانت ذات مرة، المقسمة، الصغيرة، المتقلصة. ولكن حتى محبي القدس ممن يرغبون في توحيدها وقعوا في الخطيئة بحق هذه المدينة. وعدنا بقدس موحدة ولكننا لم نحقق ذلك حقا. بنينا مدينة داود، أقمنا حي معاليه هزيتيم، خلصنا كنيس الخربة من خرائبها، ولكن ما الذي فعلناه من أجل راس العمود أو وادي الجوز. ماذا فعلنا من أجل 5 الاف طفل يسكنون في شرقي القدس ولا يجدون أي اطار تعليمي يستوعبهم؟ ماذا فعلنا من أجل خدمات البريد هناك، التي تكاد لا تؤدي مهامها، ومن أجل مئات الشوارع التي حتى القمامة لا تخلى منها؟ اذا لم نعمل على عجل، فان القدس ستدار بحكم الامر الواقع كمدينتين. لا يمكننا أن نستثمر مصادر في المالحة ونهجر ابو طور، بيت حنينا وشعفاط. أي قيمة توجد لتصريحاتنا عن السيادة اذا كنا لا نطبقها عمليا؟ فهل هكذا تدار مدينة واحدة؟ هل هكذا نضمن الا تقسم القدس مرة اخرى؟ أومن اننا لن نحل مشاكل القدس من خلال تقسيمها أو ابعادها عن الاسرائيلية. من جهة اخرى، لن نتصدى حقا لتحديات القدس الموحدة، بتجاهل فئات سكانية اخرى تسكن فيها. قبل 44 سنة كنا كالحالمين، أما الان علينا ان نكون كمحققين للحلم. علينا أن نشمر عن اكمامنا وأن نطور القدس في صالح رفاه كل سكانها وكل احيائها. لن نجسد حلم القدس اذا لم نبنيها كمدينة واحدة بكل اجزائها، كاطار مديني واحد. لا يمكننا أن نصد التهديدات عليها اذا لم نستثمر في شرقها المصادر المستثمرة في غربها. حظيت القدس ومنذ توحيدها بان اتسعت وبنيت مثلما لم تتسع أبدا. على مدى السنين أثبت الخطاب الاسرائيلي، من اليمين ومن اليسار، بان القدس ذات صلة أكثر من أي وقت مضى. لا يمكننا أن نفر من التحدي الذي تطرحه علينا القدس، والتي هي في نفس الوقت عتيقة وجديدة على حد سواء.