واشنطن. ليس استفزازا، هو قال هذا، وليس بفظاظة. خطاب مفتخر، مع كل العبارات الامريكية المحببة: فقد مزح بالامريكية، ذكر شقيقه الذي استشهد، روى كيف أنه هو نفسه كاد يقتل في قناة السويس في أيام الحرب. ولكنه قال "لا!". في نهاية اليوم ترك نتنياهو العالم مع الماء في اليد، مع "لا" كبيرة لاوباما، لاوروبا، للجميع. دون أي شيء يمسكوا به، دون أي شيء يمكنهم أن يعملوا به معه. "منذ يوم الجمعة فهمنا بانه من هذه الليمونة لن يكون ممكنا انتزاع عصارة"، قال لي مصدر مقرب من المفاوضات وتناول اللقاء بين رئيس الوزراء والرئيس في البيت الابيض. "الخطاب في الكونغرس لم يكن مفاجئا. نتنياهو لم يتصل بالروح الجديدة. كان هذا هو نتنياهو المعروف. لم ينهض امامنا زعيم جديد". وبينما يحصد رئيس الوزراء الهتافات من الجمهور العاطف في تلة الكابيتول، أجرى الرئيس جولة مكوكية بين عواصم اوروبا، ضمن امور اخرى كي يقنع الاتحاد الاوروبي الا يدعم في الامم المتحدة، في ايلول، الاعتراف بدولة فلسطينية. وهو يعرف انه لن يكون بوسعه الوصول الى تسوية سلمية قريبا. معركة الصد التي يخوضها ترمي الى انزال الفلسطينيين عن المسار الذي اختاروه، واقناع نتنياهو بالا يسمح لحصان التاريخ ان يمر عليه دون أن يقفز عليه. وتوقع فقط ان يقول بيبي في الكونغرس ست كلمات: "أنا أقبل صيغة الرئيس، ولكن ...". ولكن نتنياهو حتى لم يقترب من هناك. عرض بشكل بليغ لاءاته. الواحدة تلو الاخرى. في اوروبا اوضحوا لاوباما بانه اذا قبل نتنياهو صيغته، فلن يؤيدوا الاعلان عن دولة فلسطينية. وقد وعدهم بان ينجح في جلب نتنياهو اذا ما انضموا اليه. اما الان، فان رفض نتنياهو يورط اوباما. الاعلان عن دولة فلسطينية قد يكون سيئا لاسرائيل، ولكنه سيء للولايات المتحدة أيضا. فالرئيس لا يمكنه أن يسمح لنفسه بفقدان اوروبا، فيما هي تقف الى جانب الفلسطينيين وهو يقف ضدهم. هذا الخلاف حاولوا حله يوم الجمعة. فقد أوضح الرئيس موضوع حدود 67، ووعد بان الحديث يدور عن خط جديد، وذلك لانه سيتم تبادل للاراضي. رئيس الوزراء كان يمكنه أن يقول في الكونغرس ما الذي يؤيده هو. فقد وعد بان يعرض خطوطا لصورة التسوية السياسية. وخرج عن طوره كي يقنع بان خطابه سيجلب بشرى كبيرة وتجديدا. ولكن كحجم التوقعات التي بناها هكذا ايضا خيبة الامل: في الغنى اللفظي، مثل ساحر الكلمات، وفنان لغة الجسد، لم يبث سوى الامنية للاعجاب، وحصد الهتافات. "نتنياهو تحدث ليس كمن يجري مفاوضات بل سياسي حزبي"، هكذا أجمل الامر أهرون ميلر، الذي كان على مدى 15 سنة مستشار لرؤساء الولايات المتحدة ويجري اتصالات بتكليف منهم بين اسرائيل والفلسطينيين. مستشار الرئيس بن رودس، عقب بشكل دبلوماسي. فقد شدد على أن البيت الابيض يرحب بالتزام نتنياهو برؤيا الدولتين. ولكن ترحيبا مشابها أطلقه البيت الابيض بعد خطاب بار ايلان. رؤيا الدولتين باتت تاريخا. هذه المرة توقعوا هنا بشرى جديدة. توقعوا أن يملأ نتنياهو سلة اوباما عند توجهه لاقناع اوروبا بان تقول لا في الامم المتحدة. هذا لم يحصل. نتنياهو قام بعمل جيد، ولكنه أساسا كان عملا يتمثل بالتلاعب بالعينين. وعندما انطفأت الاضواء وتبددت أحاسيس العيد لم يتبقَ في الفم غير طعم مرير لفرصة اخرى تمت تفويتها.