في حرب البعث وفي العقود الاولى بعدها وُجد في اسرائيل نظام اقتصادي واجتماعي يناسب دولة محاصرة في عوز. قُسم الغذاء بتقدير بحسب تقدير قضت به "وزارة التموين والتحصيص". واستُعملت رقابة وثيقة على الاسعار. وفُرض على العاطلين عن العمل ان يعملوا في أعمال قسرية مرهقة. وأُسكِن المهاجرون الجدد برغم ارادتهم في اماكن لاءمت الحاجات الأمنية. وحُدد الخروج من البلاد. وخضع الاستيراد لترخيص وثيق. وجرى تخطيط الاقتصاد من أعلى. وصودرت ملايين الدونمات من اراضي العرب وسُجنوا داخل بلدات حكمها الحكم العسكري. كان وجود هذا النظام ممكنا لانه ساد الجمهور اليهودي مواضعات واسعة، ولان الجهاز السياسي انتظم حول حزب كبير (مباي) ترأسه زعماء ذوو جلال. أذكر هذا من اجل شباب وبالغين ضعفاء الذاكرة، يرفضون التفكير في امكانية ان وضعا يشبه هذا قد يتكرر. من الخطأ أن نظن ان فصولا في التاريخ تتكرر على نحو دقيق. لكن مع وجود ظروف سياسية مشابهة تكون النتائج مشابهة. يبدو أننا متجهون الى ازمة عميقة. والسؤال هل نستطيع ان نعدل عن الطريق التي نسير فيها ليس من شأن هذه المقالة، لكن اذا استمعنا الى نبوءات قادتنا، فسنسمع تسليما بالمصير الذي ينتظرنا. هذا المزاج يعبر عن شعور أكثر المواطنين. إن قليلين يؤمنون بامكانية انشاء سلام في هذه الايام برغم انه يوجد من يظنون انه يمكن تغليب "هدنة" ضعيفة ما. إن وضعنا بين الأمم كما يعتقد كثيرون يتدهور الى لا شفاء. العالم يطبق علينا بل ان الولايات المتحدة حليفتنا الوحيدة تضيق بنا ذرعا وترسم من جديد خريطة مصالحها. في استطلاع للرأي تم مؤخرا يؤيد ربع الامريكيين وقف مساعدة اسرائيل ويطلب ربع اشتراط المساعدة بـ "التقدم في مسيرة السلام". ولما كنا لن نتقدم نحو سلام ولما كان يهود امريكا يفقدون بالتدريج اهتمامهم بنا فانه يصعب التعلق بأمل أن يكون دعم صديقتنا مضمونا. لسنا نتجرأ على التفكير في انهيار الدولة بسبب الضغوط التي تثقلها، لكن لا يكاد يوجد شك في أن الضغوط ستشتد وتُعرضها للخطر جدا. اذا لم نتمسك بالحكم القديمة أو بسخافات اعتقادية ("الله لن يتخلى عن شعبه")، فواجبنا ان نفكر كيف سنتصرف اذا وقع اسوأ الامكانات. واسوأها ان نُدفع الى وضع جنوب افريقيا في سنوات الفصل العنصري حين كانت دولة مقصاة تخضع لقطيعة اقتصادية وعزلة سياسية. وأصبحت توجد علامات واضحة على ذلك. اذا، اذا لم نستجب لنصائح رجال المصالحة فاننا نحتاج الى ساسة يمين نزيهين يُبلغوننا ما هو الثمن الذي سيُطلب الينا ان ندفعه اذا أصررنا على المواقف التي يعبرون عنها. سيكون الثمن استعمال قواعد سلوك جماعة محاصرة وهي زيادة قوة السلطة المركزية التي تستطيع وحدها فرض تنظيم قوي، والغاء الاقتصاد الحر ومضاءلة حقوق الانسان. لا يلذ لنا العيش في دولة كهذه لكن حياة غير لذيذة أفضل من قطع الحياة. اذا علمنا ما الذي ينتظرنا فربما يسهل علينا ان نلائم أنفسنا للذي لا يُصدق. إن الخوف من حصار يتغلغل في قلوب كثيرين لكن الاستعداد لاسوأ الاوضاع الممكنة لا يستوي مع نفسية الجماهير التي تناقض مصالح الساسة. انهم يوجهون رسائلهم للتخفيف من قلق المواطنين لان القلق وخيبة الأمل هما خبز المعارضة الأساسي. يجب على المواطنين القلقين أن ينقلوا الى الحكومة رسالة حادة تقول: حدِّثينا الصِدق.