أأحد ما في المنطقة يريد دولة فلسطينية الآن؟ لا. على الرغم من ذلك يحتمل ان تقوم. دهاء التاريخ. من لا يريد دولة هم، صحيح حتى الآن، الفلسطينيون أنفسهم. فالفلسطينيون – وأقصد النخب السياسية والاجتماعية – يريدون بكل دواخلهم انهاء الاحتلال الاسرائيلي، أما الدولة فهي قصة اخرى. الفلسطينيون يفهمون، مثلا، بأنه مع اقامة الدولة سيضطرون الى ان يتخلوا الى الأبد عن الاراضي خلف حدودها الملتوية. وهم يفهمون بأن اقامة الدولة السيادية الوحيدة للقومية الفلسطينية ستدفن تلقائيا "حق العودة". وهم يفهمون بأنهم سيكونوا متعلقين اقتصاديا وبالجغرافيا – السياسية بالارادة الطيبة للدول المجاورة. وماذا ستكون عليه طبيعة العلاقات بين الفلسطينيين في فلسطين وبين الفلسطينيين في الاردن، في لبنان وفي اسرائيل؟ لا يسألون، لا يُجيبون. منذ الأزل وصفت الحركة الفلسطينية نفسها كحركة تحرر وطني – تحرر من الاحتلال الاسرائيلي – وليس كحركة انبعاث رسمي (كدولة). وباستثناء بضع شخصيات استثنائيين كرئيس وزراء السلطة الفلسطينية، سلام فياض، لم تعنى م.ت.ف باقامة دولة على الطريق، وذلك لانها لم تستنفد الطريق السياسي. فما بالك أن الامر صحيح بالنسبة لحماس وتوابعها. القيادة الحالية للفلسطينيين تريد انجازا سياسيا واحدا ملموسا: وقف البناء في المستوطنات. المستوطنات المتسعة هي في نظرها جرحا مفتوحا واستفزازا يهوديا متواصلا. فضلا عن ذلك، فان المفاوضات مع اسرائيل ستستمر الى الأبد. الدول العربية هي الاخرى لا تريد حقا ان يكون للفلسطينيين قريبا دولة قومية مع نظام متقلب، منقسم جغرافيا ومشكك للنظام القائم. لو أرادت هذه الدول لكانت هذه الدولة قامت منذ زمن بعيد. عدم الاكتراث لحلم الدولة الفلسطينية السيادية بارز في موجة التحول الديمقراطي الذي يجتاح الشارع العربي. 95 في المائة من متظاهري الديمقراطية هناك لا يذكرونها ولا يتطرقون اليها. فالامر لا يهمهم. اليسار والوسط السياسي في اسرائيل، ومؤخرا رئيس الوزراء نتنياهو، يظهرون كمن يتبنون اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل وكمؤيدين لـ "دولتين للشعبين"، ولكن هذه أحبولة اسرائيلية دارجة وتضليل للذات. دولة فلسطين معناها، مثلا، تقسيم القدس: ما هو يهودي لليهود، وما هو عربي للعرب؛ فهل يعرف أحد ما كيف يتم ذلك؟ معناها اخلاء 100 ألف مستوطن واستيعابهم في اسرائيل، فهل بلور أحد ما خطة عملية لذلك؟ معناها تبادل للاراضي بحجوم نسبية هائلة؛ فهل أعطى أحد ما رأيه في مصاعب تنفيذ مثل هذه الخطوة؟ الكلام في جهة والافعال في جهة اخرى. يدفعون ضريبة لفظية لفكرة "الدولتين" ويوسعون عدد السكان اليهود خلف حدود 1967 ليصل الى نصف مليون. معظم الاسرائيليين يشعرون على نحو حدسي، مثل رئيس الوزراء الأسبق اريئيل شارون، بأن "الاحتلال سيء لاسرائيل"، وكان بودهم كيفما اتفق، حتى وإن كان بطريقة المعجزة، انهاؤه. الانقطاع عن الفلسطينيين دون السؤال ماذا بعد ذلك؛ شارون فعل ذلك في قطاع غزة. ولكن دولة مجاورة مستقلة مع محطات حدود، سيطرة كاملة على الارض، مطارات وموانيء، معبر آمن بين كل أجزائها وسيادة في القدس ايضا – لا والله، بالغتم. الاتحاد الاوروبي اتخذ سلسلة من القرارات في صالح "حل الدولتين" ولم يحرك إصبعا صغيرة لتحقيقها. سياسيو اوروبا، في الغرب وفي الشرق على حد سواء، تعلموا من حرب البلقان الوحشية والتي لا تنتهي بأن من الأفضل الامتناع عن الاعتراف بدول انعزالية صغيرة مع طاقة كامنة للانفجار المتواصل. من ناحيتهم، الشرق الاوسط المستقر، الهاديء والمورد للنفط والغاز في مواعيدها، هو شرق اوسط مثالي. اذا من يريد حقا دولة فلسطين الآن؟ الامريكيون: رؤساء الولايات المتحدة، من كلينتون عبر بوش وحتى اوباما، أقاموا حتى الآن في خطاباتهم الدولة الفلسطينية، اعترفوا بها، رسموا حدودها ووعدوا بمساعدتها. وهم يرون فيها مرسى لسياستهم ونهاية عادلة لنزاع عتيق يريدون حله لاعتبارات الدين، الايديولوجيا والاستراتيجية. مشروع فلسطين هو اذا مشروع امريكي (شبه) حصري. ما كنت لأستخف بذلك. في تاريخهم أثبت الامريكيون بأنهم عندما يُصرون جدا على شيء ما، فانهم يحققونه مهما كلف الأمر.