قبل شهر، حين ودع الجيش الاسرائيلي باحتفال متواضع، لم يحلم بني غانتس بأن على كتفيه ستوضع اليوم الرتبة الاعلى في الجيش الاسرائيلي ليتحول من لواء في الاحتياط الى الفريق بني غانتس – رئيس الاركان العشرين لدولة اسرائيل. ولكن كان للواقع الاسرائيلي خططه الخاصة به، فبعد العاصفة، التي جاءت ذروتها في الغاء تعيين يوآف غالنت رئيسا للاركان، سيحتل غانتس اليوم، المظلي الذي نال لقب "الأمير" مكان رئيس الاركان غابي اشكنازي. أمس، في الوقت الذي صادق فيه وزراء الحكومة بالاجماع على تعيينه رئيسا للاركان، ذهب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعيدا في مدح غانتس فقال عنه: "ضابط ممتاز"، "قائد مجرب" و"رئيس اركان فائق"، وهذه كانت بعضا من الثناء الذي أغدقه عليه نتنياهو في الوقت الذي حرص على البخل في الثناء على رئيس الاركان المنصرف. صباح يومه الأكبر سيبدأه غانتس ابن الـ 52 سنة في مكتب رئيس الوزراء، حيث سيضع على كتفيه عقيلته رويتل ونتنياهو رتبة فريق. وفي السياق سيزور المبكى، قبر رئيس الوزراء اسحق رابين ومعسكر وزارة الدفاع في تل ابيب حيث سيُعقد احتفال الوداع لرئيس الاركان المنصرف. عندما ينزل اشكنازي من مكتبه في الطابق الرابع عشر للمرة الاخيرة سيبدأ عهد جديد في الجيش الاسرائيلي: عهد بني غانتس. خلف رئيس الاركان العشرين، ابن لأبوين ناجيين من الكارثة، توجد حياة عسكرية فاخرة بدأت قبل 34 سنة، حين تجند للواء المظليين. وسرعان ما برزت طاقته القيادية للمظلي الشاب من قرية كفار أحيم الزراعية. وتقدم غانتس الى منصب قائد حظيرة ومن ثم قائد سرية الى أن أصبح في العام 1987 قائد كتيبة في لواء. بعد سنتين من ذلك قاد الوحدة المتميزة لسلاح الجو "شلداغ". في 1995 أغلق رئيس الاركان الوافد الدائرة وأصبح قائد لواء المظليين. في السنوات التي انقضت منذئذ أدى سلسلة من مناصب قيادية عليا، بينها قائد المنطقة الشمالية، الى أن عُين في 2009 نائبا لرئيس الاركان. ولما لم يُعين الجندي رقم واحد، تسرح قبل نحو شهر من الجيش وانطلق الى طريق مستقلة. غانتس يعرف جيدا بأن اللحظة التالية لصمت الأبواق سيضطر الى تجنيد كل التجربة التي راكمها. وقد قضى الايام الاخيرة في لقاءات مع القيادات في هيئة الاركان. وفي الليالي أكمل التداخل القصير لاستلام المنصب، اسبوع فقط، مع رئيس الاركان اشكنازي. والآن حان الوقت للوقوف في وجه التحديات الكثيرة التي يقف أمامها. وفي الشرق الاوسط، كما هو معروف، لا توجد ايام رأفة. احدى المهمات الاولى التي يقف أمامها الفريق غانتس هي اصلاح علاقات العمل بين مكتب رئيس الاركان ووزير الدفاع. الخوف الكبير في الجيش هو ان يحاول اهود باراك التصرف كرئيس اركان أعلى فيفرض آراءه على غانتس من اللحظة الاولى، وعليه، كما يقولون في الجيش، فان الاسابيع الاولى ستكون حرجة بالنسبة لغانتس من حيث تصميمها لكيفية أدائه كرئيس مستقل للاركان أو كـ "إمعة" لباراك. من ناحية غانتس تعلقه بوزير الدفاع أقل من أي رئيس اركان آخر: لم يكن رجله ولم يُنتخب من قبله. ومع ذلك، فغانتس ليس رجل الحروب والصراعات، وليس واضحا كيف سيتعاطى مع مكتب باراك ذي النزعة التسيدية. باراك لن يرغب في أن يرى في منصبه الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي، العميد آفي بنيهو، ولكن غانتس جد معني بأن يواصل بنيهو مهامه على الأقل في الفترة القريبة القادمة. ليس واضحا اذا كان باراك سينجح في اخضاع رئيس الاركان في هذه المسألة. وقرر غانتس بأن يكون رئيس مكتبه العقيد هود باتسار، الذي انتقل منذ الآن الى جانبه، بدلا من العقيد ايرز فينر، المرشح لرتبة عميد كضابط تعليم رئيس. باراك يعارض ايضا هذا التعيين، وفي هذه الاثناء يُجمد تعيينات 160 ضابط برتبة عقيد وعميد – بمن فيهم العقيد فينر. التقديرات هي ان غانتس سينتظر قرار مراقب الدولة في موضوع دور فينر في قضية وثيقة هرباز، وبعد ذلك سيقرر بشأن مستقبله في الجيش. اليوم سيدير غانتس جلسة هيئة الاركان الاولى له، في ما يفترض ان يكون الاشارة الرسمية لنهاية فترة عاصفة في الجيش الاسرائيلي. تعيينه رئيسا للاركان استُقبل بتنفس للصعداء وأدى الى هدوء حقيقي في هيئة الاركان التي كانت منشغلة بالحروب الداخلية التي وصفت بأنها الأشد منذ قيام الدولة. ويتعين على غانتس ان يخلق بسرعة أجواء جديدة من العمل الجماعي بين الألوية وبين انفسهم وبين الجيش والقيادة السياسية. الى جانب التهدئة وادخال روح الفريق سيتعين على رئيس الاركان الانطلاق في حملة مكوكية سريعة بين أذرع الجيش الاسرائيلي وبلورة سلم الأولويات والسياسة. التطورات الاخيرة في ميادين القاهرة والدول العربية من المتوقع ان تحتل أجزاء هامة من جدول اعمال غانتس. بعد ان يعقد التقويمات الجديدة للوضع في أعقاب الثورات في مصر وتونس، سيتعين عليه الاستعداد للهزات في دول اخرى، الأبرز بينها الاردن. التخوف الكبير سيكون من فتح جبهات اخرى، من الجنوب ومن الشرق، الى جانب الجبهة الشمالية. تكتكة الساعة في مكتب رئيس الاركان ستُذكر غانتس في كل لحظة بسباق التسلح الايراني والخوف من اليوم الذي تملك فيه طهران قدرات نووية تنفيذية. كما أن حلفاء احمدي نجاد سيجعلون ايامه أكثر انشغالا. فمن جهة سوريا وحليفها حزب الله المنشغل بالسيطرة على لبنان. ومن جهة اخرى حماس، التي تزداد قدرتها على اطلاق الصواريخ وتتحسن في كل يوم. كل هذا يؤكد التهديد الذي يحدق في السنوات الاخيرة بالجبهة الداخلية الاسرائيلية – التي يتعين على غانتس حمايتها بكل الوسائل التي تحت تصرفه.