لندن افتتح المصور الألماني كاي فايدنهوفر معرضاً فوتوغرافياً في لندن بعنوان ’كتاب الدمار’ وهو أيضاً عنوان آخر كتاب له. وتتمحور مواضيع الصور حول حجم الدمار الذي خلفه العدوان الإسرائيلي في غزة عام 2009. سمحت جائزة التصوير الصحافي التي منحتها شركة ’كارمينياك جيستشن’ لفايدنهوفر بالعمل لمدة ثلاثة أشهر في غزة لتوثيق مآسي الضحايا الأحياء، فاستطاع بذلك أن يغوص في تفاصيل الدمار الذي سببه العدوان الإسرائيلي وتمكن من التعرف على الكثير من ضحايا الاحتلال بغية التقرب منهم وتفعيل مآسيهم في الصور. وهكذا يلاحظ أن فايدنهوفر اعتمد في صوره على التركيز في ابراز التشوهات الجسدية لضحايا الاعتداء بشكل فني وخلاق كما تظهر الكثير من الصور مشاهد الدمار الهائل الذي سببه العدوان في منازل القطاع وبناه التحتية.وتتميز أعمال فايدنهوفر الذي في رصيده الآن أربع كتب فوتوغرافية :السلام المثالي، تفاصيل الحياة الفلسطينية بين الانتفاضتين، الجدار ومؤخراً كتاب الدمار، بتسليطها الضوء على الحياة الفلسطينية والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون. وهذا أدى إلى اعتقاد الكثير من الأشخاص الذين يدعمون إسرائيل أن فايدنهوفر منحاز إلى فلسطين، ولكنه نفى ذلك في حديث خاص مع ’القدس العربي’ وقال أنه يحاول دائماً أن يتحرر من ضرورة إثبات كلا الجانبين من القصة وعرضها بتوازن وموضوعية كما في الصحف والتلفزيون، في محاولة لتصوير ما يشده ويؤثر به.وأضاف أن هذا لا يعني بالضرورة أنه منحاز أو متعاطف مع فلسطين أكثر من إسرائيل فقد أوضح لـ ’القدس العربي’ أنه كان يرغب في الذهاب إلى إسرائيل لتصوير الضحايا الإسرائيليين أيضاً بهدف تحقيق نوع من التوازن، ولكنه فضل أن لا يفعل لأنه يعي أنه لن يجد الكثير من الضحايا الإسرائيليين ولن يجد دماراً هائلا ً في البناء. وبالتالي فإن اعماله يمكن أن توحي أنه يقصد عدم المساواة في عرض كلا الوضعين. وأضاف: ’هل من المنطق أن يكون في معرضي صور لـ 50 جريحاً فلسطينياً مقابل جريح إسرائيلي واحد؟! هذا حتماً سيشير إلى أني منحاز لجهة معينة وأنا لا أريد ذلك’. ويلاحظ في صور فايدنهوفر تركيزه على المباني المهدمة وتصويرها مع الدقة المعمارية حيث تضيف الأضواء الحزينة التي استعملها شيء من بقايا أهلها، كأنها تحكي قصصهم أو تنوح عنهم بالصراخ أو ربما بالصمت. كما أن الدقة في تصوير هذه المباني المدمرة تظهر نتائج القوات المتفجرة والرصاص الذي أصابها كالمنازل التي انهارت اثر الألغام والحرائق والقذائف.وفي الصورة التالية التي تعرض في المعرض ، تظهر بقايا من منزل في عزبة عبد ربه شرق غزة بعد أن دمره الجيش الإسرائيلي. الإبداع الفوتوغرافي لفايدنهوفر في هذه الصورة ألبسها ثوباً جديداً حيث تبدو محكمة بأضواء قاتمة وتبدو السماء فيها كئيبة تفتقر إلى الصفاء والحياة تماماً كما أصبح المنزل بعد سقوطه. وفي المقابل هناك صور لأطفال، رجال وأمهات تركت الحرب على أجسادهم بصمات العدوان والقهر والدمار. وفي هذه الصور يبرز فايدنهوفر تشوهاتهم بطريقة مباشرة ويروي قصة كل شخص منهم في الشرح المرافق للصورة. فالصورة المرافقة مأخوذة من المعرض وهي صورة لطالبة فلسطينية من حي التفاح في مدينة غزة. تدعى هذه الفتاة جميلة الهباش، وتبلغ من العمر 16 عاما. اصيبت جميلة بصاروخ إسرائيلي بينما كانت تلعب على سطح منزلها في 4 كانون الثاني/يناير 2009. وقتلت في نفس الهجوم شقيقتها وأحد اقربائها. وهكذا فإن المعرض يحتوي على العديد من الصور التي تظهر ضحايا العدوان وتقدم تفاصيل عن مأساتهم وظروف حدوث هذه التشوهات والخسائر.يركز فايدنهوفر في هذه الصور على تفاصيل الجسد والوجه والملامح حتى يلاحظ مآسي هذه الناس من خلال أعينهم أو طريقة جلوسهم أو وقوفهم. فدلائل الحرب والدمار في أعمال فايدنهوفر لا تتمثل فقط في وجود أدلة صلبة بل يمكن مشاهدتها في وجوه الناس وقراءتها من خلال صمتهم الحزين. وفي الأدنى صورة أخرى مأخوذة من المعرض تعرض مآسي صباح أبو حليمة ذات الخمس وأربعين عاماً التي احرقت بثلاث قذائف فوسفورية ضربت منزلها في بيت لاهيا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009.فقدت صباح في هذه الحادثة زوجها سعيد وأربعة ً من أطفالها الذين احترقوا حتى الموت وكان أصغرهم الطفل شاهد الذي يبلغ من العمر أربعة عشر شهراً.ولم يكتف ِ الاسرائيليون بهذا فقد استمروا في التفظيع في هذه الجريمة ومنعوا دفن الضحايا في المقبرة واكتفى الجيش بطمّهم بالرمل.وتلقت صباح علاجها في إحدى المستشفيات في مصر لمدة أربعة أشهر ثم اضطرت إلى العودة إلى مصر مجدداً بسبب اصابتها بالسرطان الذي سببه الفسفور.هذه هي قصة صباح باختصار، إن الصورة لا تحتوي على هذه المعلومات ولكنها تمثل مأساة صباح في كل تفاصيلها: أطفالها، زوجها، آثار الحرق على يدها، الحزن الذي يغلب على وجهها. انها ببساطة تعرض قصتها وخسائرها بدلائل ملموسة وتعكس أيضاً حزنها الكبير الذي يصوره فايدنهوفر بطريقة مؤثرة وخلاقة. يرى فايدنهوفر أنه يمكن إجراء دراسة مماثلة لكتاب الدمار في أفغانستان أو في العراق، وأن المعنى الحقيقي لأعماله هو مروعة ’الإبداع’ في قدرة الناس على إيذاء الآخرين. كما يستغرب عدم رغبة العديد من المصورين ووسائل الإعلام، في توثيق الجرائم الإنسانية.ويشار إلى أن أعمال فايدنهوفر السابقة تلقت الكثير من الانتقادات من قبل جهات معينة اتهمته بـ ’الدعاية ضد إسرائيل’. ففي معرض له في باريس السنة الماضية، أقيم عرض صور غزة 2010 في متحف في إطار عقد لرعاية الآداب والفنون مع شركة كارمينياك جيستشن، وحاول ناشطو ’رابطة الدفاع اليهودية’ اقتحام المتحف فأغلق المعرض لمدة يومين ثم أعيد فتحه لاحقاً. وتظاهر كثيرون بدعوة من جمعية ’أوروبا - فلسطين’، أمام المتحف لشد عصب إدارته على مواصلة عرض الصور ومواجهة الضغوط عليها. كما تبنت جمعية ’أوروبا - إسرائيل’ حركة الاحتجاج ضد معرضه وندد ’المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا بانحياز فايدنهوفر إلى الفلسطينيين وإصراره على تبيان إسرائيل على أنها العنصر الظالم في قضية النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني.وعبر المجلس عن استنكاره منذ افتتاح المعرض معتبرا ان المصور لا يهدف إلى تصوير ضحايا الحرب فقط بل يقوم بعمل الدعاية. أما في معرضه الحالي الذي يقام في لندن، فيلاحظ قدوم العديد من الزوار العرب وعدد كبير من الأجانب والبريطانيين الذين يقفون مذهولين أمام المناظر التي تظهرها الصور والتي لا يرونها عادةً عبر شاشات التلفزيون الغربية. وهكذا، فإن معرض فايدنهوفر لا يقتصر على كونه معرضاً فوتوغرافياً فقط، بل يتيح الفرصة لعرض الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني والتي تحاول وسائل الإعلام الغربي اخفاءها عن الشعب.معرض فايدنهوفر، فريد من نوعه كونه يصور مأساة ومعاناة شعب غزة عبر عدسة غربية. لذا فإنه عمل يستحق المشاهدة والتقدير.تم افتتاح المعرض يوم 28 كانون الثاني (يناير) 2011 ويستمر حتى الثاني عشر من شباط (فبراير) في العنوان التالي: The Mosaic Rooms، 226 Cromwell Road، London، SW5 0ST