قبل ثلاثة أسابيع طُلب من مصدر رفيع المستوى جدا في الموساد في اسرائيل تقدير وضع مصر. فقال: "أنا لا اشخص تهديدا فوريا على الحكم. أقدر بان قدرة القيادة الحالية على البقاء في السلطة معقولة حتى بعد مبارك. ثلاثة تحديات تقف امام مصر: العمر الكبير لمبارك وحالته الصحية، الوضع في السودان والجدل حول توزيع مياه النيل. المشكلة الرابعة هي الاقتصاد". أقتبس هذه الجمل لا كي أقلل من قيمة تقديرات الموساد بل كي أكثر من الثناء على التواضع. المتحدث لم يكن بوسعه أن يخمن مسبقا بان يحصل ما حصل في تونس. وان الحريق الذي اشتعل هناك سينتقل بسرعة الى مصر. لم يولِ أهمية كافية للضائقة الاقتصادية ولم يتناول على الاطلاق احساس النفور لدى الجمهور من فساد المقربين من السلطة. في معظم الثورات الشعبية التي وقعت في العشرين سنة الاخيرة، في شرق اوروبا وفي امريكا اللاتينية، لم تعرف أجهزة الاستخبارات الاجنبية كيف تقدر على نحو سليم الضائقة الاقتصادية، العطش للحرية، قوة التمرد والضعف الداخلي للانظمة. موسادنا يوجد في هذه المسألة في صحبة طيبة. فور زيارة السادات الى البلاد في 1977، ارسلت الى مصر. ومنذ ذلك الحين زرتها غير قليل من المرات. كل زيارة ولدت لدي احساسا بالكشف: قبل كل شيء، الحجم. اذا كنت أتذكر صحيحا، ففي بداية المسيرة السلمية كان عدد السكان في مصر 40 مليون نسمة. منذ ذلك الحين تضاعف العدد. ثانيا، القوة، الثقة في أن خطا مباشرا يصل بين الثقافة الرائعة للفراعنة بمصر اليوم، والثقة في أن مصر هي الزعيمة الوحيدة للعالم العربي وللمنطقة، القوة العظمى العسكرية، السياسية والثقافية. ثالثا، الفقر، الذي لا تنجح أي مبادرة اقتصادية في القضاء عليه؛ رابعا، استقرار النظام. في كل العالم الديمقراطي توجد مشكلة تداول الاجيال في الحكم. اما في مصر، فمنذ ثورة الضباط في 1952، كان الانتقال سلسا، من الرئيس الى نائبه، من ناصر الى السادات، من السادات الى مبارك. خامسا، تداخل الحرية الرأسمالية، نظام حكم الفرد والقمع السياسي. سادسا، المزاج المريح، الخانع، للمصري البسيط. كل من رأى حادثة طرق في الشارع في القاهرة – ومثل هذه توجد الكثير – فوجىء برؤية رد الفعل المنضبط، شبه المعتذر، للسائقين. في هذا المجال يمكن لمصر أن تكون نموذجا للاقتداء. في نظر بعض الناس في اوروبا وفي الولايات المتحدة، احتجاج الجماهير في مصر هو نبأ مشوق. الطلاب في ميدان التحرير في القاهرة، يشبهون، في الصورة على الاقل، الطلاب في براغ في 1969، الطلاب في ميدان تيننمن في 1989. الشباب الذين تظاهروا في شوارع طهران في السنة الماضية واولئك الذين احدثوا الثورة في تونس. ما الذي يريدونه بالاجمال؟ الخبز، العمل، طهارة المقاييس والديمقراطية. من أجل هذه الحقوق الاساسية تجدهم مستعدين لان يقفوا امام الدبابات، أمام خراطيم المياه، أمام دروع الشرطة. النوايا طيبة، بلا شك. المشكلة هي انه في الشرق الاوسط النوايا الطيبة تعبد احيانا قريبة السبيل الى جهنم. رد فعل ادارة الرئيس اوباما على الصور من مصر جسد هذه المعضلة. وقد تعرض اوباما الى انتقاد شديد في الرأي العام الامريكي عندما امتنع عن انتقاد القمع العنيف للمظاهرات في ايران. درسه طبقه بالذات على مصر: من اللحظة الاولى ابعد هو والناطقون بلسانه أنفسهم عن نظام مبارك، حذروا من قمع المتظاهرين وطالبوا بحق الوصول الكامل لكل وسائل الاعلام.اوباما ثابت في سلوكه: منذ خطابه في جامعة القاهرة، قبل سنة ونصف السنة، حاول تشجيع العطش للحرية والديمقراطية لدى الشباب في العالم الاسلامي، من فوق رؤوس الحكام العرب (مبارك فضل عدم المجيء الى الحدث). كان هناك شيء يمس شغاف القلب، ساذج، في هذا التوجه، الذي لم يستجب. وعلى الرغم من ذلك، فان اوباما لم ييأس. ولعل هروبه من مبارك ينبع من سبب آخر – في أن كل التقديرات الموضوعة على طاولته تقول ان مبارك ضائع، ويجب انقاذ ما يمكن انقاذه.لعل ثمة مجال للتشبيه بين رد فعل اوباما بطريقة معالجة الرئيس جيمي كارتر للمظاهرات ضد الشاه الايراني قبل 31 سنة. فقد طلب كارتر من الشاه ان يمتنع عن العنف في معالجته لمظاهرات الطلاب. اسرائيليون خدموا هناك في ذاك العهد يقولون انه مثل مبارك، الشاه ايضا، ضعف بسبب مرضه وبسبب رغبته في نقل الحكم الى ابنه. مهما يكن من امر فقد كانت النتيجة ثورة اسلامية، غيرت سلبا وجه الشرق الاوسط. عندما ينظر مبارك حوله، لا يرى نظاما عربيا واحدا يحرص على حريات الفرد، نقيا من الفساد ويتصرف حسب قواعد اللعب الديمقراطية. ولا في الانظمة التي اقامها الامريكيون في العراق وفي افغانستان. ثمة غير قليل من نزعة التسيب والكثير من الازدواجية الاخلاقية في المحاولة الامريكية كبح جماح النظام المصري. في ضوء ما يحصل في مصر، لا يمكن لاسرائيل أن تفعل شيئا غير الامل. الامل هو أن تولد الازمة حكومة مستقرة تكون مخلصة للسياسة الخارجية للحكومة السابقة، بما في ذلك اتفاق السلام والعلاقات مع اسرائيل والصلة بالغرب. نتنياهو تصرف بحكمة عندما فرض الصمت على وزرائه. حتى يوم أمس التزموا بذلك. اتفاق السلام مع مصر هو نجاح كبير. فقد عطل اكبر وأخطر اعداء اسرائيل، شق الطريق للاتفاقين التاليين ومنحنا حدودا طويلة وهادئة، فرغ الجيش الاسرائيلي لمهمات اخرى. اسرائيل مدينة لمبارك ورجاله بالكثير، بما في ذلك ما فعلوه علنا وما فعوه سرا. مصلحة متبادلة شدت هذه الدولة الى تلك قبل 33 سنة. المصلحة لا تزال قائمة.