مائتا متر في خط هواء تفصل بين الحلم الذهبي والواقع البائس، بين أزقة ضيقة وواقع خطير. 200 متر من الصفيح فوق واد اسفلتي. 200 متر في خط هواء تفصل بين التلة الفرنسية ومخيم شعفاط للاجئين. أقل من 200 متر تفصل بين المخيم وحي بسغات زئيف وهوة ساحقة من المحور المركزي الذي يربط بين القدس ومعاليه ادوميم، في أطراف البحر الميت. 200 متر من فوق هوة اهمال، غباء عقلي ووهن سلطوي. بين الحلق المختنق لرئيس الكنيست ريفلين، الذي يقسم بوحدة القدس الى أبد الآبدين وما شابه وبين الحقائق على الارض التي تشير الى تنازل بحكم الامر الواقع من جانب اسرائيل عن سيادتها في القدس الموسعة. وعندما تكون الحكومة عاجزة، والبلدية مهملة، وعندما تكون الشرطة تخشى من ظلها نفسها وتمتنع عن العمل بحزم، وعندما يكون الايمان بعدالة الطريق مهزوز – أحد ما آخر يدخل الى الفراغ. السلطة الفلسطينية. طرق، بنى تحتية، نوادي، رجال مخابرات فلسطينيين يدخلون ويخرجون دون خوف. حكومة نتنياهو تقسم القدس عمليا. ساعة صباح مبكر. القدس تصحو في سريرها. سماء زرقاء. هواء نقي. كل الكليشيهات تصدح. نحن ندخل مخيم شعفاط للاجئين. في ساعة لاحقة، يهودي ضل في أحد ضواحي القدس فدخل بالخطأ الى قلنديا أو شعفاط، فان دمه في رقبته. في يوم الخميس الماضي نجا أربعة شبان ضلوا طريقهم فوصلوا لسبب الى حي العيسوية، الذي يلاصق التلة الفرنسية جنوبا. وباعجوبة فقط نجوا من عملية فتك. ولكن الان هدوء وأمان، بقدر ما تكون هاتان الكلمتان "هدوء وأمان" مناسبتين ليهودي يتجول في مخيم فلسطيني للاجئين. سيارات قليلة على الطريق، عمال يخرجون الى عملهم بعيون شبه مغمضة، يحملون اكياس الطعام. نحن نجري جولة في ثلاثة احياء ضمت الى القدس: قلنديا، كفر عقب ومخيم شعافط للاجئين. سكانها يحملون هويات زرقاء. الصورة واضحة: لا يوجد رمادي. إما أسود أو أبيض. شرطة السير هم شرطة سير فلسطينيون. وقد بدأوا كمشروع مؤقت في فترة رمضان، ولكن مثل كل شيء في اسرائيل، لا يوجد ما هو أكثر ديمومة من المؤقت. رمضان انتهى، اما أفراد الشرطة فبقوا. اليافطات في الشوارع تشير الى دور وزارة المالية الفلسطينية في تطوير الاحياء. على يافطة كبيرة في كفر عقب، في أطراف المنطقة الصناعية عطروت تشرق ابتسامة الحائز على جائزة نوبل للسلام ياسر عرفات . الرجل الذي أجاد مبارك في وصفه انه "كلب ابن كلب". "صندوق عرفات" يبني هنا. عيوننا تبحث عن مؤشرات سيادة اسرائيلية. يوك. منذ بداية السنة قتل خمسة اشخاص في حوادث اطلاق نار في احتفالات اعراس في شعفاط. الاحياء العربي في القدس مليئة بالاسلحة غير القانونية، ولا سيما السلاح المسروق من الجيش الاسرائيلي. من مسافة بعيدة، على كرسي آمن، تبدو حادثة اطلاق نار في عرس وكأنها فيلم عن قرية نائبة في الباكستان. ولكن من التلة الفرنسية يسمعون النار جيدا، وهناك لا أحد يضحك. "السلطة تحل المشاكل" مخيم شعفاط للاجئين هو مخيم اللاجئين الوحيد في النطاق البلدي للقدس. غربه حي راس خميس، شمالي بسغات زئيف، ومن الشرق ضاحية السلام، غربي التلة الفرنسية. حوله آخذ في الاستكمال جدار غلاف القدس. السيادة الاسرائيلية تكاد تكون وهمية، باستثناء الرقابة عند الدخول والخروج. مخيم اللاجئين بقي خارج الجدار – وليس سكانه. من أجلهم يقيمون معبر حدودي متطور آخذ بالبناء بجوار حاجز حرس الحدود. ابتداء من بناء الجدار بدأ أيضا زخم بناء. المنطقة كثيرة المباني الجديدة. كلها غير قانونية. شعفاط لا تؤمن بالتخطيط. الدولة تخاف فرض القانون. في أعقاب بناء الجدار، زاد عدد سكان المخيم. السكان القدامى يهاجرون الى داخل القدس، الى احياء عربية ويهودية ومن يهودا والسامرة يصل الاف الماكثين غير القانونيين. وحسب تقدير فظ، فان عدد سكان المخيم تضاعف، وهناك من يدعي بانه تضاعف ثلاثة اضعاف. في النطاق المطل على المخيم التقيت جميل صندوقة، مختار المخيم وهو مشحون. "دولة اسرائيل هجرتنا. البلدية لا تدخل. الشرطة لا تعمل. شخص يصاب بنوبة قلبية ينقلونه الى الحاجز ويتصلون بنجمة داود الحمراء أو الصليب الاحمر. قبل أقل من شهر كان هنا نزاع عشائري. هجموا على احد ما في بيته. اتصل بالشرطة. قالوا له تعال الى الحاجز. اتصل بالمخابرات الفلسطينية، جاءوا في خمس دقائق وانهوا الموضوع". شعفاط هي جزء من السلطة؟ "نحن لا نريد ولا نعرف ماذا تريد الحكومة. ولكن بالايجاز، كل الامور التي نحصل عليها، تأتي من السلطة. اسفلت، حتى المخابرات الفلسطينية تدخل هنا، تختطف الناس. تحل المشاكل". أنتم تفضلون اسرائيل؟ "نعم، ولكن الدولة تريد أن تدفعنا الى السلطة. والقرية تصبح جزءا من السلطة. لا يعطوننا خدمات على الاطلاق. القرية مليئة بالمخدرات. الشرطة الاسرائيلية لا دخل لها على الاطلاق. يأتون من المخابرات الفلسطينية في الليل، يأخذون تجار المخدرات. يعملون هنا. في النهار أيضا؟ "في النهار ايضا. يتجولون في كل مكان ولكن بدون بزات. يوجد هنا في المخيم سلاح كثير، والشرطة لا تعمل". الا تخاف أن يؤذوك؟ "لا أخاف. فلمن خير حين تتنازع العشائر ويقتل الابناء؟ وكم واحدا قتل في الاعراس بالنار والشرطة حتى لم تعتقل أحدا؟ ومن أين يأتون بالسلاح؟ من عندكم. تعالوا الى الاعراس، وسترون السلاح". كم من المال استثمرت السلطة هنا؟ "في السنوات الخمس الاخيرة، 20 مليون شيكل تقريبا. ليس فقط طرق. بنوا أيضا مركز للنساء. وضعوا أسفلت. رتبوا. ونحن ندفع الارنونا لاسرائيل". لليل قوانين خاص به بشكل سخيف، خلافا لمعظم البلدات العربية، في شعفاط 67 في المائة من السكان يدفعون الارنونا على المساحة المبلغ بها. ولا يزال للسكان مصلحة في الاثبات بانهم يسكنون في المخيم كي لا يفقدوا الهوية الزرقاء. صندوقة يثور ضد الجدار. "لماذا التقسيم؟ انا لا افهم لماذا الجدار. فهو لا يجلب الامن. من يريد أن يتسلل يعرف كيف. يوجد ايضا قسم من الشرطة الذين يساعدون. قبل سنة أمسكوا هنا بضابط شرطة كان يدخل ماكثين غير قانونيين. من يريد أن يجتاز الجدار يجتازه. توجد طرق". أي طرق؟ "لا ينقص". نقاط الخلل في الجدار مكشوفة. معظم المتسللين لا ييأسون. بين نقاط الرقابة لحرس الحدود هناك 3كم من الجدار غير مراقبة. سلم من الحبال، ركض نحو العيسوية، وانتهينا. واذا بالماكث غير القانوني خارج الاحصاءات. في الصباح ينصب افراد الشرطة الكمائن، ولكن لليل قوانين خاص به. توجد حماس في المخيم؟ "60 في المائة هنا حماس". كيف الاغلبية مع حماس؟ "اقول لك. الحي كان 20 الف. الان يوجد هنا 60 الف. لماذا؟ كل هؤلاء جاءوا من الخارج. من المناطق. لا نعرفهم. بعضهم جاء من جنين، من نابلس، من أريحا. سيطروا على المخيم. الحي عندنا مفتوح على المناطق. كل واحد يمكنه أن يصل من نابلس حتى هذا الحي دون حواجز. بعد سنة – سنتين لن يكون هناك مقدسيون داخل المخيم. الناس بدأوا يهربون ابو غوش، الى بيت صفافا، الى الاحياء اليهودية". وهذه سخافة، محاولة دفع احياء شرقي القدس الى السلطة لحل مشكلة ديمغرافية خلقت مشكلة جديدة، غريبة. السكان الاصليون يهاجرون الى داخل القدس الى احياء عربية ويهودية. بالمقابل، يتدفق الى الاحياء المطرفة عشرات الاف مهاجري العمل من يهودا والسامرة. الماكثون غير القانونيون من الحائزين على الهويات البرتقالية. بوثقة نفوذ مريحة لحماس. في حالة اشتعال متجدد للانتفاضة كل ما على المخرب عمله هو الوصول دون صعوبة الى شعفاط – ومن هناك اجتياز الجدار. وكما أسلفنا، فانهم يعرفون كي يجتازون. من هنا لاحقا طريقه مفتوحة الى بسغات زئيف، التلة الفرنسية والقدس الموسعة. حكومة اليمين بالذات الصورة على الارض غير غامضة. اذا كان في مدينة داود الشرطة عديمة الوسيلة امام العربدة الفلسطينية المسنودة برجال اليسار، هنا الشرطة غير موجودة. حكومة اسرائيل كفت عن أن تكون صاحبة السيادة. هذا واقع فالت من شأنه أن يتفجر لنا في الوجوه، حتى وجوه من يؤيدون تقسيم المدينة. رئيس الوزراء نتنياهو يمكنه ان يتحدث عاليا عن القدس، المدينة التي اعيد الربط بين اوصالها الى خلد الخالدين. يمكنه أن يجري مداولات ميراتونية مع بيني بيغن، الايديولوجي الذي لم يعد يسافر في الباص. وان يتبادل الافكار البناءة مع يعلون وليبرمان. أما عمليا فان حكومة اليمين، حكومة التجميد، نقلت المسؤولية الى الفلسطينيين. ومن هناك فانك تتعرف على أن حكومة نتنياهو هي حكومة تقسيم القدس والبلاد. وزير التاريخ لا بد سيهتم بمعرفة ماذا كان سيقول نتنياهو 1996، صاحب البراءة على شعار "بيرس سيقسم القدس"، عن نتنياهو 2010.