غزة / سما / منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، دعت الأمم المتحدة دول العالم وحثتها على إنشاء هيئات وطنية لحقوق الإنسان كآلية وطنية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان تعمل جنباً إلى جنب مع الآليات الدولية الأخرى بهذا الشأن. كما تمت بلورة معايير واضحة ومحددة من أجل ضمان كفاءة وفعالية هذه الهيئات الوطنية، وهي المعايير التي أصبحت تعرف بمبادئ باريس وتم إقرارها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993. ومن أهم هذه المبادئ أن يتم إنشاء أية هيئة وطنية في أي بلد من البلدان دستورياً بأن ينص عليها دستور البلد و/ أو من خلال تشريع يصدر عن برلمانها، كما يقف على رأس هذه المبادئ أن تتمتع بالاستقلالية التامة وخاصة عن السلطة التنفيذية. وقد أنشئت الهيئة المستقلة في 30/9/1993 بمرسوم رئاسي (رقم 59 الصادر في الجريدة الرسمية عام 1995)، ثم تعززت دستورية الهيئة المستقلة بالمادة 31 من القانون الأساسي الذي تم إقراره من قبل المجلس التشريعي الأول سنة 2003. وقد مارست الهيئة مسؤولياتها بمهنية وباستقلالية أكسباها المصداقية محلياً وإقليمياً ودولياً بصفتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في قلسطين. وقد تم تتويج ذلك قبل حوالي سنتين بمنحها العضوية الكاملة في اللجنة التنسيقية للهيئات الوطنية لحقوق الإنسان I.C.C التابعة لهئية الأمم المتحدة، كما أصبحت عضواً كاملاً في منتدى آسيا والمحيط الهادي للهيئات الوطنية لحقوق الإنسان بعد أن كانت في بدايات عهدها عضواً مشاركاً في هذا المنتدى. والجدير بالذكر أن هذه العضوية الكاملة في هذه الإجسام الدولية التابعة للأمم المتحدة جاءت استثناءً لا سابق له بالرغم أن فلسطين ليست دولة بعد، وأنها ترزح تحت الإحتلال. وهذه السابقة لم تأت طبعاً من فراع بل نتيجة ما أثبتته الهيئة بالممارسة على أرض الواقع ومنذ الأيام الأولى لنشأتها بأنها مؤسسة وطنية تعمل بمهنية عالية، وباستقلالية تامة ولا أجندة لها إلا أجندة تعميم ثقافة حقوق الإنسان في فلسطين، وتعزيز احترام وحماية هذه الحقوق ورصد أية خروقات لها والتدخل لتصويبها. ومن هنا يا دكتور نهاد فإن أي تقييم نقدي لعمل الهيئة لا بد له أن يكون تقييماً موضوعياً شاملاً قبل التسرع بإطلاق أحكام وأوصاف مطلقة من نوع أن الهيئة ليست مستقلة ولا مهنية ولا حيادية، فشطب الهيئة ودورها بإطلاق هذه الأحكام المطلقة لا يجوز أن يتم فقط من خلال ملاحظات نقدية على تقريرها السنوي الخامس عشر عن وضع حقوق الإنسان في فلسطين للعام 2009، هذا عدا عن أن الموضوعية والأمانة العلمية، لا تسمح بالتناول الانتقائي للأمور والذي يجتزئها بعيداً عن سياقها. هذا مع التأكيد ودون الإجحاف أو الانتقاص من أهمية تناول هذه الملاحظات وغيرها سواء على التقرير السنوي الخامس عشر أو غيره من التقارير العديدة التي تصدرها الهيئة على مدار السنة، ولم تدّع الهيئة يوماً أن تقاريرها بلغت درجة الكمال والدقة ولا مجال لنقدها وإبداء الملاحظات عليها، بل إن أحد القيم التي تتمسك بها كل الهيئات الوطنية لحقوق الإنسان (والهيئة المستقلة إحداها) هي الانفتاح على النقد الموجه لتقاريرها ونشاطاتها فهذا جزء هام من التفاعل الضروري بها جنباً إلى جنب مع ممارسة النقد الذاتي أيضا. وبروح النقد الذاتي هذه أذكر لك مثلاً جملة وردت في ص24 من تقرير الهيئة تحت العنوان: "تعطل الدعوة إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية". ففي سياق تعداد أسباب ذلك التعطل ورد النص التالي: "عدم توقيع حركة حماس على الورقة المصرية" فهذا النص رغم أن المقصود به مجرد تسجيل حقيقة عدم التوقيع, إلا أنني اعتقد وبصدق، أنه نص قد يحمل نبرة اللوم لحركة حماس، وكان الأجدر والأدق إما الاكتفاء بالقول: "تعثر جهود المصالحة" أو القول " أمام تعثر جهود المصالحة، وتعثر توقيع حركة حماس على الورقة المصرية لوجود تحفظات عليها". من هنا أيضاً فإنني أرحب تماماً بما اختتمت به ملاحظاتك (على عكس ما بدأت): "بأمل أن تثير نقاشاً يجعل المفوضية العامة للهيئة المستقلة تتفحص ذاتها ونشاطها، وأن هذا الأمر مطلوب من الهيئة حتى تبني لنفسها مصداقية عند كل الأطراف تمكنها من لعب دور ريادي في حماية الإنسان الفلسطيني في مناطق السلطة". د. نهاد, وقبل أن انتقل إلى مناقشة ملاحظاتك، اسمح لي أولاً أن أسجل أنني اتناول رسالتك كما نشرت في موقع المنتدى الإلكتروني الفلسطيني (PEF) وليس كما نشرت في موقع الإلكتروني آخر (المركز الفلسطيني للإعلام) مقرونة بمقدمة فيها الكثير من التعرض والتجريح الشخصي، وأعتقد أن لا علاقة لك بتلك الديباجة خاصة بعد أن أكد لي ذلك أصدقاءٌ يعرفون عنك ما يبعث على الاحترام. ثم أرجو أن تسمح لي ثانياً أن أتوقف قليلاً أمام ما ورد في بداية مقالتك أيضاً بأنك " تغتنم فرصة النقاش الدائر بشأن إقرار قانون الهيئة المستقلة في غزة". فرسالتك إذاَ لكأنها تأتي في سياق نزع "الشرعية" عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان من قبل كتلة التغيير والإصلاح في قطاع غزة كإحدى كتل, لا بل أكبر كتل المجلس التشريعي الفلسطيني، فإقرار قانون "للهيئة المستقلة" بالقراءة الثانية مؤخراً من قبل كتلة والإصلاح التغيير في غزة إنما يعني تلقائياً العمل على إلغاء وشطب الهيئة المستقلة في غزة وإنشاء هيئة بديلة لها هناك. وأسمح لنفسي هنا أن أسألك بصفتك الأكاديمية وأستاذاً جامعياً: هل هذه هي الآلية القانونية الدستورية لإقرار مشروع قانون، أي قانون، في أي برلمان أو مجلس تشريعي في العالم؟؟؟! هل لوائح عمل وتقاليد أي برلمان تسمح بأن تقوم أي كتلة برلمانية (بغض النظر عن حجمها وأهميتها) مقام البرلمان أو المجلس التشريعي بكافة أعضائه، وأن تنصّب نفسها بديلاً وكأنها تقول: أنا البرلمان وأنا المجلس التشريعي، لتقوم بسن التشريعات والقوانين. ثم اسمح لي أن أسألك أيضاً كوطني فلسطيني: ألا ترى في "إقرار" قانون الهيئة بالقراءة الثانية مزيداً من تكريس وترسيخ ومأسسة حالة الانقسام السياسي القائمة؟؟ أنت تعلم بالتأكيد أن مركز الهيئة المستقلة هو في رام الله، وأن مكاتبها في قطاع غزة هي فروع لهذا المركز، وبالتالي فإن إنشاء جسم بديل للهيئة لن يعني على أرض الواقع سوى إنشاء جسم جديد في غزة لا علاقة له بما هو قائم ومستمر في الضفة الغربية، ولن يعني بالتالي سوى تمزيق وحدة الهيئة المستقلة وتحويلها إلى جسم في الضفة وجسم في غزة. وهذا كله يصب في تكريس وتعميق الشرخ العامودي ما بين غزة والضفة. فهناك ازدواجية في كل من السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية, والسلطة القضائية، ويُراد الآن خلق ازدواجية في المؤسسة الوحيدة الباقية كرمز لوحدة الوطن وهي الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، فإلى أين نحن ذاهبون؟!! وأكثر من ذلك، وعدا عن هذا التمزيق المتعمّد والمدمّر، فإنه لن يكون هناك أية فرصة للاعتراف بالجسم الجديد المزمع إنشاؤه في غزة، سواء من قبل مجلس حقوق الإنسان أو الهيئات الدولية أو الإقليمية الأخرى. فأية خدمة تلك التي تقدمها كتلة الإصلاح والتغيير في غزة لقضية حقوق الإنسان في فلسطين بإقدامها على تمزيق وحدة الهيئة المستقلة. هذا مع التأكيد أن الهيئة المستقلة ستواصل القيام بدورها ومسؤولياتها وصلاحياتها في تعزيز وحماية حقوق الإنسان ورصد وتوثيق أية تجاوزات لهذه الحقوق ووضع التوصيات اللازمة لتصويبها في كل من الضفة الغربية وغزة، حسب الولاية القانونية والصلاحيات التي منحها إياها المرسوم الرئاسي (رقم 59) والمادة 31 من القانوني الأساسي. الاستاذ د. نهاد في أكثر من موضع في رسالتك (الملاحظات رقم : 1، 6، 7) تتحدث عن موقف للهيئة وكأنها تسبغ الشرعية على ما هو قائم في الضفة الغربية وتنزعها عن ما هو قائم في غزة. إن الهيئة المستقلة يا سيدي ليست هي الجهة التي تملك منح الشرعية عن أحد ولا حجبها عن أحد. فالمصطلحات التي تستعملها الهيئة هي مصطلحات توصيفية لا أكثر ولا أقل، ولا تعبّر عن أي موقف سياسي يتعلق بالشرعية في ظل حالة الانقسام المدمر الذي نواجهه، خاصة وإن من الواضح أن كل مسألة الشرعية في ما هو قائم في الواقع الفلسطيني الحالي قد أصابها الوهن، وهذا الوهن في حد ذاته قد يكون أحد أسباب تعدد المصطلحات التوصيفية المستعملة تفادياً للدخول في دوامة المواقف السياسية حول شرعية أو عدم شرعية أي طرف. واتفق معك على ضرورة البحث باستمرار عن أدق التعابير والمصطلحات التي تخدم هذا الغرض كما سبق وذكرت أعلاه. ودعني أعطيك مثالاً محدداً، فعندما لاحظنا رفض استلام رسالة وجهناها قبل حوالي سنتين للأستاذ إسماعيل هنية، بسبب أنها خاطبته بصفة "رئيس الحكومة المقالة" استغربنا هذا الرفض في حين تم, وفي نفس الفترة، استلام رسالة من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة رغم أنها خاطبت الأستاذ هنية أيضاً بصفة "رئيس الحكومة المقالة"! لذلك وحتى نتمكن من توجيه رسالة للأستاذ هنية قبل عدة شهور، قمنا بمخاطبته بصفة "رئيس الحكومة – غزة", فهل هذه المخاطبة تسبغ "شرعية" كانت الهيئة تحجبها قبل ذلك؟؟!! أكثر من ذلك أقول أن الأستاذ هنية قام باستلام التقرير السنوي الخامس عشر للهيئة بشكل رسمي من وفدٍ يمثل مجلس مفوضي الهيئة وعبّر خلال ذلك عن احترامه وتقديره لدور الهيئة، كما قام الدكتور عزيز الدويك، وبشكل رسمي أيضاً، باستلام هذا التقرير في رام الله وعبّر عن احترامٍ وتقديرٍ مماثلين للهيئة. ثم قامت كتلة الإصلاح والتغيير في الضفة الغربية لاحقاً بتسليمنا رسمياً ملاحظاتها على هذا التقرير، ولم يتم في كل تلك المناسبات أي طرح بأن الهيئة "حادت" عن دورها ويجب "تصويب أوضاعها" عبر طرح قانون جديد ينظم عمل الهيئة!! لكل ذلك إن اعتقادنا الراسخ في الهيئة أنه وبدلاً من الدخول في جدال معقد حول الشرعية أو عدم الشرعية، يجب التركيز على تعزيز آليات حماية الحقوق والحريات في فلسطين (خاصة وإن كل مسألة الشرعية في ما هو قائم في الواقع السياسي الفلسطيني الحالي قد أصابها الوهن كما سبق وذكرت) والتركيز على وقف التدهور الخطير الذي أصاب منظومة الحقوق والحريات في شطري الوطن بسبب حالة الانقسام المدمّر بكل تجلياته، وذلك برصد وتوثيق الانتهاكات من قبل كل من هو في موقع المسؤولية ويمارس السلطة، ورفع الصوت عالياً وقوياُ ضد هذه الانتهاكات من أجل تصويبها. إن الهمّ الأكبر الذي يجب أن يقلق ويقض مضاجع كل وطني غيور هو التركيز بعيداً عن كل ما من شأنه ترسيخ هذا الإنقسام المدمّر الذي أفقد القضية الوطنية الكثير من زخمها، وأدى إلى التراجع الخطير في منظومة الحقوق والحريات. أخي د. نهاد: إن كل ما سبق يقودني إلى طرح السؤال الأساسي والمركزي الذي لا بد من طرحه أمام الأخوة في غزة (حركةً وحكومة وكتلةً برلمانية): هل هناك استعداد من الناحية المبدأية والفكرية والسياسية لقبول فكرة وجود دستوري قانوني لهيئة وطنية لحقوق الإنسان تتمتع بالصلاحيات الواسعة وبالاستقلالية التامة، خاصة عن السلطة التنفيذية بشقيها المدني والأمني، ووفق مبادئ باريس ؟؟ أما المسألة الهامة الثانية في رسالتك فتتعلق بملاحظات حول المنهجية المتبعة في إعداد التقرير السنوي (الملاحظة رقم 2) يبدو أنك تتصور أن هذه المنهجية تستند أساساً على "ورود الشكاوى" و"دون إجراء بحث يستقصي الظاهرة بشكل علمي". إن المنهجية التي تتبعها الهيئة في تقاريرها السنوية هي منهجية رصد أبرز المتغيرات والأحداث والظواهر التي عاقت وتعيق تعزيز منظومة حقوق الإنسان في فلسطين، خاصة تلك الناجمة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسياساته العدوانية، وتلك الناجمة عن حالة الانقسام الداخلي المدمر. كما تقوم هذه المنهجية على مراجعة السياسات التي تمارسها السلطة التنفيذية بشقيها المدني والأمني وواقع السلطة التشريعية، ومنظومة العدالة وسلطتها القضائية. ويتم كل ذلك من منظور وحيد أوحد هو منظور حقوق الإنسان كما تحددها المعايير الدولية لحقوق الإنسان والتشريعات الوطنية وعلى رأسها القانون الأساسي. والشكاوى هي جزء من مكونات عملية الرصد والتوثيق هذه. وهناك دليل للشكاوى مبني على هيكلية وأسس بلورتها تجارب الهيئات الوطنية لحقوق الإنسان في العالم، ويتم تطوير وتحديث هذا الدليل بشكل متواصل. وعندما يقوم التقرير السنوي بإبراز شكوى معينة فإن ذلك يتم فقط بهدف تسليط الضوء على مشكلة ما أو انتهاك ما كأمثلة ونماذج. ألا يورد التقرير أمثلة عديدة على الاعتقالات التعسفية؟ وعلى حالات التعذيب وأشكالها المختلفة؟ ألا يورد التقرير نماذج عن الفصل من الوظيفة العمومية خاصة بالنسبة للمدرسات والمدرسين؟ ونماذج عن إغلاق الجمعيات الأهلية؟ وعن عدم احترام قرارات المحاكم؟ وعن إخضاع المدنيين للقضاء العسكري (وهي آفة الآفات التي نعاني منها في شطري الوطن بما في ذلك اللجوء في غزة إلى القانون الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية للعام 1979!! وهو ربما أسوأ ما في إرث م.ت.ف عندما يتم تطبيقه على المدنيين من جهة وعلى واقع وظروف مختلفة تماماً عن الواقع أو الظروف التي تم وضعه فيها من جهة أخرى). الأخ د. نهاد إن ما يلفت الانتباه ويبعث على الأسف أن العديد من ملاحظاتك أتت بشكل انتقائي وخارج السياق بل ومبتورة بتراً عن هذا السياق، كمن يقول لا إله... ثم يصمت, أو كمن يقرأ سطراً ويترك آخر. ففي ملاحظتك رقم (4) مثلاً تتهم معدّي التقرير بأنهم "حصروا أغلب انتقاداتهم لأداء السلطة في رام الله في إطار السلوك اليومي، وحاولوا إظهار وجود سياسات إصلاحية وخطة تنموية", ثم تتجاهل أن ما ورد في التقرير عن خطة حكومة د. سلام فياض "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة" قد علّق عليها معدوّ التقرير مباشرة بالقول حرفياً: " إذ تبدي الهيئة هنا أن الطموح في بناء الدولة العتيدة يبقى منقوصاً ما لم تحدد فيه معالم المشروعية القانونية، بمعنى أن تكون جميع تصرفات الدولة والمؤسسات والأجهزة التابعة ضمن إطار القانون ومبدأ سيادة القانون" ويضيف فمن خلال رصد الهيئة لواقع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية خلال العام 2009، فإن سلوك السلطة التنفيذية حاد عن مبدأ سيادة القانون في العديد من قراراتها، ويكفي أن نذكر من هذه الإجراءات شرط (السلامة الأمنية) عند التوظيف الذي شكل استمرار العمل به خلال العام 2009 انحرافاً عن القانون ومبدأ الشرعية، وتخشى الهيئة أن يؤدي الانحراف عن مبدأ سيادة القانون إلى الانزلاق تدريجياً نحو الدولة البوليسية" (صفحة 26 من التقرير). (وقارن هذا أيضاً مع ملاحظتك رقم 17) فهل هذا الكلام ينسجم مع اتهامك لمعدي التقرير (ملاحظة رقم 3) بأنهم يبحثون بالمجهر عن أشياء يمكن أن تعدّ إنجازات للإشادة للحكومة في رام الله وإعطاء شهادات تقدير لها!!. واستدرك هنا لأقول أن من واجب الهيئة المستقلة وأي هيئة وطنية لحقوق الإنسان أن تبحث بالمجهر عن أي تقدم إيجابي في وضع حقوق الإنسان, عندما يحصل, وتشجعه وتحاول البناء عليه. ولذلك أشادت الهيئة في تقرير سابق بقرار الأستاذ اسماعيل هنية بخصوص محاسبة وطرد عدد من أفراد الشرطة الذين تسببوا بوفاة أحد المحتجزين لديها، كما أشادت بتشكيل لجان التحقيق حول حوادث القتل خارج القانون التي حصلت أثناء وبعيد العدوان على غزة، مع العلم أن نتائج إي من لجان التحقيق تلك لم تعلن للآن!! ونعم أشدنا بحقيقة انخفاض حاد في حالات التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز في الضفة الغربية خاصة بعد أن أكد محتجزوا حماس ذلك لطواقم الهيئة في زياراتهم الدورية، بما في ذلك زيارة تمت بحضور المفوض العام تلبية لطلب من معتقلي حماس لدى الأمن الوقائي في بيتونيا، وفي نفس تلك الزيارة تم لفت انتباهنا إلى اللجوء لأسلوب جديد بتوجيه تهم جنائية مدنية من نوع غسل الأموال والتي نعمل من حينها على متابعتها. وعندما رصدت الهيئة عودة لحالات من التعذيب تم رفع الصوت عالياً حول تلك الانتكاسة. ونعم أشدنا بالتطور الإيجابي الذي حصل بالسماح لطواقم الهيئة بزيارة المختجزين في السجن المركزي في غزة بعد حوالي سنة من محاولات ذلك، ونعم لازلنا نقول أنه لم يتم للآن السماح لنا بزيارة المعتقلين لدى أجهزة الأمن الداخلي منذ أكثر من سنة ونصف. نعم أشدنا ونشيد بقرار حكومة د. سلام فياض بإلزام كل الجهات المعنية باحترام قرارات المحاكم الفلسطينية، فعدا عن إيجابية هكذا قرار فإنه يمكّننا من متابعة أي تلكؤ في تنفيذ قرارات المحاكم، أو محاولات الالتفاف عليها. الأستاذ الدكتور نهاد، سيطول الحديث كثيراً لو أردت تناولاً تفصيلياً أكثر لكل ملاحظاتك, ولكنني أكتفي بكل ما ذكرت لتوضيح أهم القضايا في تلك الملاحظات مؤكداً لك أن من التجني للموضوعية ومن الظلم للأمانة العلمية أن يتم اتهام الهيئة بعدم الاستقلالية وعدم المهنية وعدم الحيادية، خاصة وأنني اعتقد أن ذلك تم من خلال قراءة انتقائية تقتطع الأمور خارج سياقها من ناحية، وعن ضرورة التناول والتقييم النقدي الشامل لمسيرة الهيئة ودورها، وليس فقط لتقرير واحد، قبل إطلاق الأحكام المطلقة. إنني أدعوك إلى أن تحاكم الهيئة عبر كامل تجربتها ودورها منذ أنشئت، وفي سياق كامل ما يصدر عنها من تقارير ومنشورات انتهاءً بالتقرير السنوي الخامس عشر، الذي أرجو أن تعيد قراءته بتمعن وموضوعية بعيداً عن الانتقائية وإخراج الأمور عن سياقها. كما أتمنى عليك وعلى جميع الأخوة الذين يتولون المسؤولية في قطاعنا العزيز, (حكومة, وحركة, وكتلة برلمانية)، التفكّر ملياً والإجابة على السؤوال المركزي الذي طرحته سابقاً: هل هناك الاستعداد مبدئياً وفكرياً وسياسياً بل ونفسياً أيضاً لقبول وجود هيئة وطنية لحقوق الإنسان تتمتع بالصلاحيات الواسعة وبالاستقلالية التامة في عملها على تعزيز وحماية حقوق الإنسان في فلسطين حسب المعايير الدولية (مبادئ باريس) وحسب مبدأ سيادة القانون والحريات كما وردت في القانون الأساسي الفلسطيني، و ترصد وتوثق أي انتهاكات لحقوق الإنسان الفلسطيني وتتعاطى مع توصياتها لتصويب تلك الانتهاكات. هذا هو السؤال، وما عدا ذلك من انتقادات أو ملاحظات هنا أو هناك فتلك تفاصيل قابلة للأخذ والرد والتصويب أيضاً. وأرجو أن تشاطرني الرأي بأن الهم الأكبر يجب أن يكون العمل بعيداً عن كل ما من شأنه ترسيخ وتعميق الانقسام من منطلق أن هذا الانقسام يلحق أفدح الضرر بالقضية الوطنية, و من منطلق أن هذا الانقسام أدى ويؤدي إلى كل هذا التدهور الخطير في منظومة الحقوق والحريات.