صباح أول أمس، بعد يوم من حادثة اطلاق النار على الحدود اللبنانية، عقد قائد المنطقة الشمالية غادي ايزنكوت جلسة لجنود كتيبة الاحتياط التي قتل قائدها باري هراري في الحادثة. وقال لهم "قبل ان تخرجوا الى الجنازة، انتم ملزمون بانهاء مهمة أمس". وخرجت الشاحنة الى ذات المكان، على درب الدوريات المترب، حيث توجد الاشجار جنوبها، وشمالها طريق الجنوب اللبناني، وعلى جانبيها الجدار الفاصل. ورفعت آلية القفص الذي يقل الجندي في داخله. وقام الجندي بنشر فروع الشجر. في هذه النقطة توجد الاراضي الاسرائيلية في موضع غير مريح. حيث تطل عليها من فوق المنازل في قريتي كيلة والعديسة. على طول الطريق وقفت قوة كبيرة من اليونيفيل، في مدرعات بيضاء، والى جانبها قوة من الجيش اللبناني. وخشي ضباط اليونيفيل من أن تكرر حادثة النار ليوم أمس نفسها. فطلبوا من الجيش الاسرائيلي تأجيل العملية. اما قائد المنطقة الشمالية فرفض الطلب. اذ اعتقد أن اللبنانيين سيفسرون كل تأجيل لها كضعف، والجيش الاسرائيلي حريته في العمل داخل الاراضي السيادية لدولة اسرائيل. وحمت دبابات مركفاه القوة من الجيش الاسرائيلي. الجنود في احدى الدبابات لاحظوا خلية من الجيش اللبناني توجه آر بي جي نحو الدبابة. وكان بوسع الدبابة أن تطلق النار وتخلق جلبة فظيعة، هناك وعلى طول الحدود بأسرها – أو ألا تطلق النار، وتعرض نفسها لخطر الابادة. أحيانا تكون سلامة الدول متعلقة برباطة جأش قائد دبابة واحدة. الدبابة لم تطلق النار، واللبنانيون تراجعوا. ظهر أول أمس نزلت من كيبوتس مسغاف عام الى المكان الذي قتل فيه المقدم هراري وأصيب النقيب عزرا لقية. والقارىء مدعو لأن يتصور مثلثا طول كل ضلع منه بضع مئات من الامتار. احدى زواياه الشجرة المخطط لقطعها، والاخرى البيت الذي رابطت فيها خلية القناصة، والثالثة هي غرفة القيادة، عميقا داخل أراضي اسرائيل. يوجد هناك استحكام اسمنتي تغطيه شبكة تمويه. وهذا استحكام دائم يعرفه اللبنانيون جيدا. عنوان عسكري بلون أخضر يأمر بالحفاظ على النظافة. يافطة مدنية تعلن عن المكان بأنه "متسبيه ايلان". الضباط وقفوا الى جانب الاستحكام مكشوفين للجانب اللبناني. وكانوا يرغبون في أن يروا النشاط في الاسفل بصورة افضل. في ذات الوقت بالصدفة كان اللواء ايزنكوت في قيادة فرقة 91 في بيرانيت وقرر السعي الى نتيجة تجبي ثمنا من الجيش اللبناني دون أن تمس بالمدنيين وبجنود الأمم المتحدة او تجر الطرفين الى حرب. القذائف التي اطلقتها الدبابة لم تفعل شيئا، غير الصخب. أيزنكوت أمر بالتالي بالهجوم على الاستحكام المتقدم للجيش اللبناني في الجبل من الخلف كما هوجم ايضا استحكام آخر في قرية الطيبة. واطلقت مروحيات قتالية ونار المدفعية. وكانت النتيجة مخيبة للأمل، من زاوية نظر اللواء. في الجانب اللبناني وقع خمسة قتلى، اربعة جنود ومدني. وكان هو توقع عددا أعلى بثلاثة اضعاف، عدد يوضح في لبنان بأن لمثل هذه الاحداث ثمن. لشدة المفارقة من ساعده في نقل الرسالة كان نصرالله، الذي وصف الرد الاسرائيلي كمجنون، وعديم التوازن. نصرالله هو اليوم الوكيل الذي يزرع في قلب اللبنانيين الرعب من القوة العسكرية لاسرائيل. السنوات الاربعة الطيبة رئيس الاركان غابي اشكنازي، توجه الى الشمال بعد ساعات من الحادثة. ولخص المواجهة بنوع من التأوه. فقد قال "انهم الجيش اللبناني، كان يفترض ان يكونوا الشباب الطيبين". قبل اربع سنوات رأت اسرائيل في نزول الجيش اللبناني الى الجنوب أحد الانجازات الكبرى للحرب. الجيش، مع تقاليد مهنية طويلة السنين ونفوذ مسيحي ودرزي، كان يمكنه ان يفصل بين حزب الله واسرائيل. ثلاثة – أربعة ألوية من الجيش اللبناني انتشرت جنوبي الليطاني. هذه قوة كبيرة، تنضم الى 13 الف جندي من قوة الامم المتحدة. غير ان لبنان تغير، والجيش تغير معه. السياقات الديموغرافية عززت الشيعة جدا. نزع سلاح المليشيات ترك المسيحيين، الدروز والسنة بلا قوة عسكرية خاصة بهم. وبقيت فقط طائفة واحدة مسلحة – الشيعة. كما حلت ايضا الالوية الطائفية في الجيش. نسبة الشيعة في الجيش، حتى في مستويات القيادة، أخذت في الازدياد. الكثيرون منهم مؤيدون لحزب الله. في جيش لبنان يعترفون صراحة بأن وحدات الاستخبارات تنقل معلومات لحزب الله. ليس لهذا الطفل صلينا. التغيير العميق الثاني هو مكانة سورية. في 2005، طرد السوريون مكللين بالعار من لبنان. اما اليوم فكل الفصائل السياسية تتطلع الى دمشق. ليس فقط حزب الله ومجموعة ميشيل عون، التي كانت مرتبطة ذات مرة باسرائيل واليوم مرتبطة بنصر الله بل وايضا الجماعات المسيحية الاخرى، الدورز والسنة. مراقب من الخارج يجد صعوبة في ان يفهم كيف يمكن لسعد الحريري، الذي قتل ابوه بالهام سوري، أن يدخل تحت كنفي الاسد، وكيف يمكن لوليد جنبلاط، الذي قتل ابوه بتعليمات من الاسد الاب، ان يقبل امرة السوريين. اللبنانيون مثلهم كمثل المسامير التي تعلق بالمغناطيس الاقوى في المحيط. من ليس لديه سيد خارجي، يعتبر كالميت. وهكذا حصل انه حيال المحكمة الدولية، التي يفترض بها ان تنشر رسميا في ايلول قائمة المشبوهين بالمبادرة الى اغتيال الحريري، لا يقف فقط نصر الله والاسد بل والحريري الابن ايضا. نصرالله لا يمكنه ان يأخذ المسؤولية عن الاغتيال لان الاعتراف بالاغتيال مثله كالاعتراف بالخيانة. هو لا يمكنه ان يسلم كبار المسؤولين في المنظمة ممن طرحت اسماؤهم في اثناء التحقيق. وبالتالي فانه يهدد الحريري، ومن خلاله الاسرة الدولية، بحرب أهلية. وبالفعل، الحريري مهدد. الحروب الاهلية هي صدمة لبنانية. في مثل هذا الواقع، من الطبيعي فقط البحث عن عدو مشترك، خيالي، هائل وكبير وفظيع. اسرائيل هي عدو ممتاز. في قيادة المنطقة الشمالية لا يعرفون اذا كانت هناك صلة بين التصريحات الحماسية لرجال الحكم في لبنان، من الرئيس فاسفل، وبين النار هذا الاسبوع. وقد استنتجوا بأن الحديث يدور عن ضابط واحد، رقيب في رتبته، قائد سرية في مهمته، هو الذي قرر المبادرة المحلية. بعد اربع سنوات من الحرب، الاحساس في قيادة الجيش الاسرائيلي هو ان لا شيء منتهي. من السابق لاوانه الحكم اذا كانت الحرب اياها فشلا ام نجاحا. من جهة، مر على الشمال اربع سنوات من الهدوء لم يكن لها مثيل. من جهة اخرى، بدلا من 15 الف صاروخ، يوجد لدى حزب الله اليوم 40 الف وهذه يمكنها ان تصل الى كل مكان في البلاد بما في ذلك الى ديمونا وتل ابيب. اذا هاجمت الولايات المتحدة او اسرائيل ايران، فان الصواريخ ستطلق الى كل مكان في البلاد. ومثلما قال واحد من جنرالات الجيش الاسرائيلي، اسرائيل توجد على مسافة 1500 كيلومتر عن ايران، ولكن ايران توجد في لبنان وفي غزة على مسافة 50 متر من اسرائيل. "المجموعة الدولية للازمات" المنظمة الدولية التي تحقق في أماكن الاحتكاك في العالم، نشرت هذا الاسبوع ورقة عن اسرائيل ولبنان. وكتبت المنظمة تقول انه "بين كل التفسيرات لماذا يسود الهدوء في الجبهة الاسرائيلية اللبنانية فان التفسير الاساس هو ايضا الاكثر اقلاقا. كل الاطراف، اسرائيل، حزب الله وسوريا وايران يخشون من ان تكون المواجهة هدامة للغاية واوسع بكثير مما كانت في حرب 2006". الامر التالي ايهود باراك نشر اول امس، بتأخير سنة – سنتين، بيانا يدعو الى الابقاء في البلاد 400 طفل من ابناء العمال الاجانب، الذين حسب قرار الحكومة سيبعدون الى البلدان الاصلية لاهاليهم. بيان باراك امتلأ بالرحمة والرأفة. وضمن امور اخرى قال ان طرد الاطفال ليس امرا يهوديا، وهذه لدغة خفيفة لنتنياهو الذي في حديثه في نهاية جلسة الحكومة عن ابناء العمال الاجانب برر الحل الوسط بين قيمتين متضاربتين: من جهة الاعتبار الانساني، ومن جهة اخرى الاعتبار الصهيوني. الصهيونية ضد الانسانية: حتى اليوم فقط كارهي اسرائيل الواضحون هم الذين طرحوا مثل هذه الحجة. الرأفة لا تسير طواعية مع باراك. فقد قيل عنه في الاحزاب المنافسة في الانتخابات الاخيرة بأنه ليس ودودا. كيفما اتفق، من الصعب على المرء ان يتخيله يذرف دمعة. فهو سيربت على كتف، يصافح، يدفع محادثه الى الامام او الى الخلف. ولكن الرحمة سيبقيها لضعفاء النفوس ورقيقي القلوب. في الرحمة لا يوجد أي شيء تحليلي. كله شخصي في الرحمة، وايهود باراك ليس شخصيا – هو لا ياخذ أي شيء بشكل شخصي ولا يعطي أي شيء بشكل شخصي. احيانا هو غير شخصي لدرجة الشر. السياسيون ينبغي اختبارهم ليس في المواضيع التي الصلاحية فيها تعود الى نظرائهم بل في المواضيع المؤتمنون هم عليها. تعيين رئيس الاركان القادم ضمن الصلاحية الحصرية لوزير الدفاع. وهو لا يقرر فقط من سيكون الفائز السعيد بل وايضا متى تطلق البشرى عن تعيينه. في الماضي كان دارجا الاعلان عن التعيين قبل ثلاثة اشهر من نهاية ولاية رئيس الاركان المنصرف. هذه العادة لم تتقرر في القانون. وعن حق لم تتقرر: هناك قرارات من الافضل ابقاءها لتفكير الوزير المسؤول. كان هناك رؤساء اركان نالوا التعيين ثلاثة اشهر مسبقا. وكان هناك من تسلموا المنصب في غضون يوم. كل شيء حسب الظروف والازمنة. باراك كان رئيس وزراء وشغل منصب وزير الدفاع في ثلاث حكومات – حكومته، حكومة اولمرت والحكومة الحالية برئاسة نتنياهو. ومع ذلك لم يحصل له ان عين رئيس اركان في أي من هذه المرات. كانت ولاياته قصيرة. اما ولايات رؤساء الاركان فطالت حياتها. الان حلت اخيرا اللحظة. غابي اشكنازي من المفترض ان ينهي اربع سنوات ولايته في شباط القادم. لو تصرف باراك مع اشكنازي كما تصرف معه رابين، لكان انتظر بالقرار عن البديل حتى تشرين الثاني. ولكن باراك على عجل هذه المرة. فهو يعتزم ان ينهي في غضون ايام لقاءاته مع المرشحين وان يعلن عن قراره في ابعد موعد في بداية ايلول. مع مرشحين، اللواءين غادي شماني وبني غينتس، سبق ان التقى. بناء على طلبهما. وبقي ثلاثة مرشحين اخرين. هذا حقه. لا يدور الحديث هنا عن خطوة تمس حقا امن الدولة او خطوة تبرر الصعود الى المتاريس. ولكن نبل الروح لا يوجد هنا، ولا ايضا المراعاة لمشاعر الجمهور الذي يرفع ناظريه الى رئيس الاركان. باراك لا يفهم المشكلة. فهو مقتنع بأنه أبدى تسامحا زائدا وصبرا زائدا، تجاه خطوات اشكنازي التي لم ترق له. وهو مقتنع بأنه يتصرف مع اشكنازي بسخاء اكبر مما تصرف به رابين معه. هذا القول موضع خلاف. المبرر الموضوعي الوحيد الذي يؤيد القرار المبكر هو أن رئيس الاركان المستقبلي يمكنه أن يقرر ما هي خطة عمله للسنة الاولى، وهي السنة الاهم في فترة ولايته، ومع من سيعمل – من سيكون الالوية الجدد حول طاولة هيئة الاركان، ومن سيرفع الى رتبة عميد. الجانب الاشكالي في هذه الحجة هو انه بذلك يجعل باراك رئيس الاركان الحالي أوزة عرجاء. ستة أشهر سيتعين عليه ان يعمل فيما يكون مصير الاشخاص الذين يعملون معه في يد شخص آخر. في الجيش لا يمكن ان يكون الا رئيس اركان واحد، وليس اثنين. الدافع الحقيقي لباراك، كما يدعي منتقدوه، هو دفع اشكنازي الى الاعتزال المبكر. وهو سيهينه الى ان يستقيل. باراك واشكنازي على حد سواء يرفضان هذا الادعاء رفضا باتا. رئيس الاركان لن يكون أوزة عرجاء. وهو لا يمكنه ان يكون هكذا. الصلاحات التي يملكها سيستخدمها حتى آخر يوم في ولايته. وهو لن يكون أوزة عرجاء، ولكن الصحفيين الذين سارعوا الى رد اعتباره على الاهانة سيكونون هم أول من سيغازلون رئيس الاركان التالي. هذه هي طبيعة وسائل الاعلام: فهي تتدفق الى الامر التالي، وليس هي فقط. اشكنازي لا يعتزم الاستقالة وهو لن يطالب برد اعتباره على الاهانة. هو لن يكون دافيد ليفي. ولكن الاهانة قائمة، وتؤثر على العلاقات الشخصية بين الرجلين وعلى الاجواء في هيئة الاركان. لقد أقسم اشكنازي على الوصول الى غرفة العمليات بابتسامة كبيرة، دون ذرة مرارة، ليقول شكرا على الفرصة التي اعطيت له ليشغل المنصب المرغوب فيه جدا في الخدمة العامة لاربع سنوات. ثلاثة اشهر هي زمن معقول كي لا يراكم المرء المرارة. اما ستة اشهر فهي زمن طويل. لو كان اشكنازي ابن عامل اجنبي، قلت لباراك، لاستجديتك ان يبقى. ومع ان لدى باراك حس دعابة، الا ان هذه المرة لم يضحك.