خبر : لمن لبنان؟ / بقلم: تسفي بارئيل / هآرتس 6/8/2010

الجمعة 06 أغسطس 2010 03:15 م / بتوقيت القدس +2GMT
لمن لبنان؟ / بقلم: تسفي بارئيل / هآرتس 6/8/2010



حادثة اطلاق النار التي وقعت يوم الثلاثاء بين الجيش الاسرائيلي والجيش اللبناني هي من نوع الاحداث التي تندرج ضمن تصنيف "سوء الفهم" الذي يمكن ان يحدث حربا. "لشدة الحظ" يعيش لبنان اليوم معركة سياسية حساسة وهشة جدا يحاول كل طرف فيها التوازن مع نظيره ومنع انحلال المنظومة السلطوية، والجميع معا ايضا يجتهدون لصد النار الزائدة التي من شأنها ان تحدث حربا. ولكن المساعي لتوازن القوى في لبنان ولدت هذه المرة خطأ جسيما. جيش لبنان "اخذ المسؤولية" وبادر بما وصف كتطبيق للسيادة اللبنانية على أراضيه، ضمن امور اخرى ردا على اتهامات حزب الله بان الجيش اللبناني لا يفعل ما يكفي للدفاع عن الدولة. وبالفعل، في اعقاب النار حظي الجيش بثناء شديد من الامين العام لحزب الله حسن نصرالله الذي وصف عمل الجيش بأنه "دليل على مصداقية الجيش... والذي فهم بأن هذا العدو لا يفهم سوى لغة القوة. كما أنه كشف الدمية الجديدة في مسرح الدماء الاسرائيلي التي يسمى اليونيفيل". الحكومة اللبنانية التي تعطي اسنادا لجيشها، حتى لو لم يكن عمله منسقا معها مسبقا، وجدت نفسها مرة اخرى في وضع ملزمة فيه بالرد، وليس فقط ضد ما تراه في نظرها كخرق لقرار 1701 من جانب اسرائيل، بل وايضا، وربما اساسا، كي توضح لحزب الله بان الجيش اللبناني هو المسؤول عن امن الدولة وان جنوب لبنان ليس ملكا حصريا لحزب الله. هذا الاشتباك جاء في زمن حساس على نحو خاص: لبنان يعيش جملة من التوترات السياسية المهددة التي يفرضها النبأ بأن رجال حزب الله ستتهمهم المحكمة الدولية باغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري. وكالمعتاد، ليست هذه مشكلة لبنانية فقط. تشارك فيها سوريا، السعودية، ايران، قطر، تركيا والولايات المتحدة ومن شأنها ان تكون لها آثار على اسرائيل ايضا. الامين العام يهدد سبق الجميع نصر الله الذي في سلسلة خطابات وتصريحات اوضح بأنه لا يعتزم القبول نصا بأي قرار للمحكمة تفرض التهمة على منظمته. التهديد في أقواله فهم جيدا في بيروت، دمشق والرياض: اذا ما وجدت المنظمة او أيا من رجالها مذنبا باغتيال الحريري، فانه سيحرص على الا تتمكن الحكومة في لبنان من اداء مهامها. وسارع نصرالله الى تجنيد سوريا لنجدته عندما طلب من كتلة المستقبل برئاسة سعد الدين الحريري، رئيس الحكومة اللبنانية وابن المغدور الاعتذار لسوريا على اتهامها بالاغتيال على مدى السنين. التخوف من التدهور المحتمل للوضع في لبنان كلف ملك السعودية الملك عبدالله عناء التوجه الى سوريا ومنها الى لبنان، وخلف سلسلة من المشاورات بين السعودية وواشنطن وبين ايران وسوريا. والتقى عبدالله في دمشق بالرئيس بشار الاسد في حديث طويل استمر الى ما بعد منتصف الليل، وفي اعقابه بعث ابنه، عبدالعزيز الى سعد الحريري كي يبلغه عن "الاتفاقات" التي تحققت مع سوريا. ما الذي اتفق بين الزعيمين ليس معروفا بعد، ولكن التصريحات العلنية للاسد في ان سوريا ستقف الى جانب حزب الله وانه يعتقد بانه يجب اغلاق ملف التحقيق "من اجل استقرار لبنان" تدل على روح الامور.             السعودية لم توضح بعد موقفها الرسمي من التحقيق ومن لائحة الاتهام، ولكن الزيارة التاريخية لعبدالله الى بيروت، والتي جرت مع زيارة الاسد، تشير الى شراكة مصلحية جديدة تحاول فيها السعودية التأثير على الشكل الذي تصاغ فيه لائحة الاتهام بل وربما وقف استمرار عمل المحكمة. وهذه شراكة جديدة نشأت منذ تشرين الاول 2009، عندما زار عبدالله لاول مرة سوريا بعد نحو خمس سنوات من القطيعة، وكان هدفها اوسع بكثير من القلق على استقرار لبنان.             السعودية تعمل في عدة جبهات على صد النفوذ الايراني في الشرق الاوسط وفي الدول الاسلامية. وهي تساهم بمبالغ مالية طائلة للباكستان وافغانستان، وتتنافس بذلك مع ايران؛ تحاول توحيد الصفوف في دول الخليج ضد ايران؛ وهي شريكة في الموقف المصري الذي يرى في ايران خطرا على النظام القديم في الشرق الاوسط؛ وهي تحاول اقناع مصر باستئناف العلاقة مع الاسد، من اجل هذه المصلحة. وتفحص السعودية ومصر بقلق ايضا دور تركيا الذي باتت تعتبر فجأة كشريك لايران وسوريا رغم ان مصلحة تركيا تتعلق اساسا بالشكل الذي سيدار فيه العراق بعد انسحاب الولايات المتحدة.             السياسية السعودية الجديدة مدعومة من الولايات المتحدة التي من شدة حماستها نسيت قواعد الدبلوماسية اللازمة. عندما اقترح الناطق بلسان الخارجية الامريكية على الاسد "الاستماع جيدا لاقوال الملك عبدالله" اثار غضبا شديدا في بلاط الملك وذلك لان الامور فهمت وكأن السعودية هي مبعوثة من الولايات المتحدة او على الاقل تسعى واشنطن الى احراج سوريا من خلال الزيارة مثلما كتب محرر الصحيفة السعودية "الشرق الاوسط"، طارق الحميد.             ولكن ليست الولايات المتحدة وحدها هي التي سعت الى امتطاء الزيارة بالمجان. فالسفير الايراني في لبنان صرح بأن زيارة الملك السعودي الى سوريا "تدل على تقرب بين ايران والسعودية"، وهكذا حاول تبديد التخوف في ايران من "انزلاق" سوريا عائدة الى الحضن العربي، التي قطعت عنه منذ اغتيال الحريري.             سرية             وفي ظل جملة الضغوط العربية هذه، فان مجال المناورة لدى سعد الحريري محدود جدا. في العام 2007 صرح قائلا "أعلنا أكثر من مرة بأن حزب الله لا دور له في الجريمة التي قتل فيها رئيس الوزراء رفيق الحريري. ونحن نكرر موقفنا هذا، لا كي نمنح أحدا ما شهادة حسن سلوك، بل كي نضيء الحقيقة مثلما نفهمها". في حينه لم يكن هو صار بعد رئيس الوزراء ولم يعرف ما يعرفه اليوم.             قبل بضعة أسابيع انقلبت النوازع. في لقاء سري بين الحريري ونصرالله روى الحريري للامين العام لحزب الله بأنه توجد امكانية في أن تتهم المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال رفيق الحريري بعضا من نشطاء حزب الله في الاغتيال. ولكن الحريري سارع الى الحسم بأن "دم أبي أقل اهمية من وحدة لبنان" وانه "لن يسمح للجنة التحقيق بالمس بلبنان".             لا يحتمل ان يكون هناك تعبير اكثر وضوحا عن التحول في موقفه. الحريري، الذي منذ البداية لم يرغب في ان يكون رئيس الورزاء وفضل الوقوف في رأس الكتلة السياسية دون ان يتحمل المسؤولية، وجد نفسه عالقا تحت الضغط العربي. من جهة، لم يرغب في الخضوع لضغط حزب الله الذي طلب حق الفيتو على القرارات المصيرية للحكومة، ولما لم يستجب عطل عمل الحكومة لاشهر طويلة في العام 2008 ومنع انتخاب الرئيس. من جهة اخرى، يفهم هو بأن عليه ان يتوصل لحل وسط يسمح لهذه الكتلة بتحقيق قوتها السياسية.             النتيجة كانت حلا وسطا متحققا نشأ بوساطة (وتمويل هائل) لقطر في ايار 2008. في اعقاب هذا الحل الوسط وتغيير قانون الانتخابات كان بوسع لبنان اجراء الانتخابات في تموز 2009، والتي خلقت نزاعا سياسيا طويلا اخر استمر نحو خمسة أشهر. الى ان بوساطة اضافية من قطر والسعودية، وبضغط شديد من سوريا. نجح الحريري في اقامة الحكومة فيما انه هو نفسه ينزع بزة الخصم لسوريا ويصبح ابن بيت محترم في قصر الاسد. هذه المكانة، بالمناسبة، ليست سارة لنصرالله على نحو خاص، وهو الذي يخشى من ان يكون الحلف الجديد بين الاسد والحريري ضده في وقت ما.             الصورة الدقيقة للبنان نجحت في الاستقرار على مدى عدة أشهر، والان يبدو بأن احدا لم يعد يرغب في التحقيق باغتيال الحريري او بادارة محاكمة ضد المذنبين المتهمين، ولا سيما لان الرابح الاساس، لشدة المفارقة، قد يكون بالذات حزب الله، الذي يبدو أن رجاله هم الذين نفذوا الاغتيال.             في الملعب غير المستقر في لبنان، محفوظ لاسرائيل دور مركزي. قرارها بمهاجمة لبنان، عن قصد او عن غير قصد، من شأنه أن يؤدي الى تحطم واسع من المتوقع فيه بالذات لحزب الله ان يجرف مكسبا سياسيا آخر. في نفس الوقت، في وضع تسير فيه سوريا والسعودية معا، متعانقتين بعض الشيء، وايران تنتظر فقط شرخا اضافيا بينهما، يمكن لاسرائيل أن تساهم بقدر غير قليل، اذا ما اعلنت مثلا عن نيتها الانسحاب من هضبة الجولان والتقدم نحو اتفاق سلام مع سوريا.             يكاد يكون هدف             ما نقله التقرير عن محاولة الاغتيال المزعومة للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد مفهوم. كدنا نتخلص من احد اطراف محور الشر؛ وكدنا ننهي البرنامج النووي الايراني؛ كدنا نمنع ابادة "الكيان الصهيوني". هذا هو ذات الانفعال الذي يرافق عادة "شبه الهدف"، والذي بعده تأتي بالطبع خيبة الامل العميقة والترقب المتحفز للمرة التالية.             ولكن ايران، رغم ان نظامها يستند الى مبدأ حكم حكماء الفقه، الواحد والوحيد، ليس نظاما لفرد واحد، حتى وان كان اسمه علي خامنئي، فما بالك اذا كان اسمه احمدي نجاد. هذه دولة مؤسسات، ايديولوجيا وكوابح وتوازنات يخضع فيها الرئيس من جهة للبرلمان ومن جهة اخرى للزعيم الاعلى الذي بذاته يتحمل المسؤولية العليا عن استقرار الدولة وأمنها.             اذا كانت هناك بالفعل أمس محاولة اغتيال حقيقية، الامر الذي لم يثبت بعد، فهي تعكس فقط المصاعب الداخلية لايران في السيطرة على كل الجهات التآمرية التي تعمل منذ سنين    ضد النظام. وهذه تنتشر بين الاقاليم الكردية في الشمالي الغربي من الدولة، عبر الاقليم العربي حوزستان وحتى الاقليم الجنوب شرقي سستان بلوتشستان، المأهول بأبناء الاقليات الذين هم نحو نصف الـ 75 مليون مواطن في الدولة.             لو كانت محاولة الاغتيال نجحت، فان ايران ما كانت لتوقف برنامجها النووي او تغير سياستها الخارجية او الايديولوجيا التي توجه خطاها. في ايران سبق ان قتل رئيس محمد علي رجائي، في 1981، وبقيت الدولة على حالها