خبر : الولايات المتحده وأيران وخيار الصفقة الكبرى ..د.ناجى صادق شراب

الإثنين 12 يوليو 2010 02:07 م / بتوقيت القدس +2GMT
الولايات المتحده وأيران وخيار الصفقة الكبرى ..د.ناجى صادق شراب



                                   ينطبق على العلاقات ألأمريكية ألأيرانية المقولة السياسية الشائعة أن صديق اليوم قد يصبح عدو  الغدو وعدو اليوم قد يصبح صديق الغد. ولعل معضلة العلاقات بين الدولتين ، تأتى أولا من أن أيران دولة أقليمية صاعده وطامحة أن يكون لها دورا معترفا به فى منطقة ذات مصالح أستراتيجية عليا للولايات المتحده ، ومع دول تربطها علاقات تحالفية ، وفى المقابل الولايات المتحده كدولة عظمى تتركز مصالحها ألأستراتيجية النفطية وعلاقاتها التقليدية مع دول المنطقة التى تتخوف من نمو الدور ألأيرانى ، ، وتتمثل فى التحول فى العلاقات بين الولايات المتحده وأيران من دولة كان يعترف لها بدورها ألأقليمى زمن الحكم الشاهنشاهى والقيام بدور شرطى الخليج ، والدور المتميز الذى كانت تقدمه أيران للولايات المتحد زمن الحرب البارده وسياسة أحتواء ألأتحاد السوفيت سابقا ، وسياسة ألحيلولة دون وصول السوفيت المياه الدافئة للخليج ، والدور الذى تسعى اليه أيران منذ الثورة ألأسلامية عام 1979 ، ومحاولتها الخروج من دائرة التبعية ألأمريكية ، الى دور الدولة ألأقليمية المستقلة والتى تسعى لتأكيد دورها ومصالحها المباشرة فى نفس المنطقة التى تتواجد فيها الولايات المتحده ، ولذلك لا يمكن فهم طبيعة التحول فى العلاقات إلا فى سياق نموذج التحول فى موازين القوى ، ما بين دولة أقليمية لا يمكن أنكار دورها ونفوذها ، ودولة عظمى تسعى أن لا ينافسها فى وجودها دولة أخرى تعارض هذا التواجد وهذه المصالح . وبهذا المعنى تتلخص عقدة العلاقات بين الدولتين فى مدى ألأعتراف من قبل كل منهما بمصالحه ومناطق نفوذه ، وهو ما يتطلب تغليب خيار الحوار والصفقة المباشرة مع عدم أستبعاد خيار المواجهة العسكرية إذا فشل خيار الحوار والصفقة الشامله .ولتأكيد استقلالية الدور ألأيرانى ، واحداث تحول كبير فى أعادة توزيع ألأدورا بين الدول ألأقليمية المتنافسة والطامحة فى المنطقة ، كان تركيز أيران على تطوير قدراتها النووية ، وهى القوة التى تضمن لها تأكيد وفرض دورها وأعتراف بمصالحها فى المنطقة ، وأبتداء لا بد من ألأشارة أن كل دولة أقليمية بارزة لها دائرة مركزية تؤكد فيها دورها,  والمنطقة التى تسعى أيران لتاكيد دورها هى منطقة الخليج وهى منطقة النفط الرئيسة فى المنطقة ، ولأيران فيها طموحات كثيرة ، ولعل التناقض والتضارب فى المصالح بين أيران من جهة ودول المنطقة من ناحية ثانية ، مع المصالح ألأمريكية ، هذا التناقض هو الذى يشكل المعضلة الحقيقية فى العلاقات ألأمريكية ألأيرانية.وهو ما جعل موضوع القوة النووية ألأيرانية الموضوع الرئيس الذى يحكم طبيعة الخيارات التى تحكم العلاقات بينهما ، وعلى الرغم من أن الرئيس اوباما قد حدد منذ بداية أدارته بالرغبة فى عالم أكثر تعدديه ، وبالحوار وخصوصا مع العالم ألأسلامى ، وبتفضيل الخيار الدبلوماسى ، لكن يبقى دور المحافظون الجدد أحد العقبات والتحديات التى قد تحول دون حوار مع أيران . مما يعنى أن يبقى الخيار العسكرى قائما وليس مستبعدا. وصحيح أن اسس الحوار قد تكون غير كافية ، ألا أنه فى الوقت ذاته توجد حلقة من المصالح المشتركة بين الدولتين قد تدفع فى النهاية للدخول والأنغماس فى خيار الحوار ، وفى مقدمة ذلك الخوف من خيار الحرب من قبلهما ، وأدراكهما أنه ليس من الصعب بدء أو أتخاذ قرار الحرب ، لكن الصعوبة فى وقف الحرب وتداعياتها التى قد تكون بعيدة المدى على ايران أكثر من غيرها . بمعنى قد يكون من الصعب على أيران تحمل تداعيات ونفقات أى حرب قادمه ، لذلك قد تلجأ فى النهاية للدخول بحوار بشروط محسنة ، والعامل الثانى أدراك الولايات المتحده ألأمريكية أن خيار فرض العقوبات قد لا يجدى ، لأكثر من سبب ، أهمها أن لأيران علاقات أقتصادية مع العديد من الدول المهمة مثل روسيا والصين وتركيا والهند والبرازيل. وهذا من شانه أن يفقد خيار العقوبات فعاليته ،وقد يكون الهدف منه الدفع بإيران نحو خيار الحوار والصفقة الشاملة ، ونحو تليين الموقف السياسى المتشدد . وما يدعم هذا ألأتجاه أنه ليس من مصلحة الدول ألأخرى وخصوصا الدول الخليجية العربية الذهاب فى أتجاه خيار الحرب ، ولذلك إن لم يكن بمقدور هذه الدول منع خيار الحرب فعلى أقل تقدير تاجيلها الى أبعد درجة ممكنه لعل خيار الحوار يصل لنتائج ممكنه. وفى الوقت ذاته تلعب الخبرة التاريخية فى العلاقات بين الدولتين دورا مهما ، فمن أدارة الرئيس ترومان والحيلولة دون سقوط المؤسسات الديموقراطية ألأيرانية ، الى عملية أجاكس فى عهد الرئيس أيزنهاور ، الى عملية الكونترا فى عهد الرئيس ريجان ثم التهديد بتغيير النظام فى أدارة الرئيس بوش ، وصولا الى أدارة الرئيس أوباما ومناداته بالحوار وبالخيار الدبلوماسى وممارسة القوة الناعمة وبالتعددية والشراكة الدولية ، الى جانب ان العلاقات بينهما لم تعانى من مظاهر الصراع كثيرا . فلا شك أن هذه الخبرة التاريخية قد تلقى بتأثيراتها على تفضيل خيار الحوار.فالعلاقات على امتدادها وحتى قيام الثورة ألأسلامية لعبت أيران فيها دور الدولة القوية الداعمة للمصالح ألأمريكية ، ألا ان هذه العلاقات دخلت منذ ذلك الوقت فى حالة من التباعد والتوتر فى أعقاب أزمة الرهائن ، والحرب العراقية ألأيرانية ، لتدخل عقودا من العداء ، والكراهية وعدم الثقة ، والشكوك فى النوايا السياسية لكل منهما . وهذه الشكوك هى التى تقف وراء عدم الحوار . ولا يمكن تجاهل ان تدهور هذه العلاقات وتنامى القوة ألأيرانية قد لعب دورا مهما فى صفقات ألأسلحة التى عقدتها ألولايات المتحده مع دول المنطقة ، وفى تواجدها المباشر ، وهى مرحلة متقدمه فى تطور ألأستراتيجية ألأمريكية فى المنطقة ، وقد أحاط هذا التواجد أيران بالقواعد ألأمريكية من الشرق والغرب. ولم يتوقف ألأمر على دول المنطقة ، بل على أيران ذاتها التى خصصت نسبا مرتفعة من ميزانياتها للنفقات العسكرية ، وفى الوقت ذاته طورت من دور القوى ألأخرى بالوكالة ، فحسنت علاقاتها بسوريا ، ونفوذها فى لبنان وأفغانستان وفلسطين ، وكل هذا جعل منها دولةأقليمية قوية لا يمكن تجاهلها من قبل الولايات المتحده ، وهو ما قد يشجع على خيار الحوار والصفقة الشاملة ، بمعنى ألأدراك المتزايد من قبل الولايات المتحده بهذا الدور ، وبقدرة أيران على المضى قدما فى تنمية وتطوير قدراتها النووية ، وأدراكها صعوبة تغيير نظام الحكم فيها ، وعدم فعالية خيار العقوبات .وصعوبة عزل أيران لما لها من علاقات مع العديد من الدول على المستويين ألأقليمى والدولى. وخصوصا البرازيل وتركيا واللتان لعبتا دورا مهما فى ألأتفاق ألأخير مع أيران ، واللتان صوتتا ضد قرار مجلس ألأمن ألأخير بفرض عقوبات على أيران. وبقراءة السلوك السياسى ألأيرانى ، يمكن أدراك أن أيران تسعى لأعتراف أمريكا بدورها ومصالحها فى المنطقة وألأعتراف بدورها ألأقليمى ، وان أى تغير فى الخارطة السياسية للمنطقة لا بد أن ياخذ فى أعتباره هذه المصالح. وتؤكد أيران دائما على أستعدادها للحوار والتفاوض مع الولايات المتحده والغرب ليس فقط حول الملف النووى ألأيرانى ، بل حول كل قضايا المنطقة بما فيها القضية الفلسطينية والسلام فى المنطقة ، وهذا يعنى أن أيران تريد أعترافا مباشرا بهذا الدور ، وهذا التوجه يشجع على ألأقتراب من خيار الصفقة الشامله، ومعنية أيضا بالدخول فى أتفاقية التجارة العالمية ، ودعم برنامجها النووى المدنى ، وبتحسن علاقاتها التجارية وألأستثمارية مع الغرب، ولا شك أن العامل ألأقتصادى يلعب دورا مهما فى تفسير السلوك السياسى ألأيرانى ، الى جانب العامل القومى ، والرغبة فى أحياء الدور ألأمبراطورى لأيران الذى لعبته فى الماضى ، وتدرك أيران أن خيار الحرب قد لا يحقق لها كل هذه ألأهداف ، وقد يعيدها الى سنوات طويلة من التراجع والضعف . وأخير ان كل هذه المدركات السياسية المتبادلة بين الولايات المتحده وأيران قد توجد دائرة من المصلحة المشتركة قد تقربهما كثيرا من خيار الصفقة الشامله .  |اكاديمى وكاتب عربى DRNAGISH@GMAIL.COM