أصبح من الواضح ان الادارة الامريكية تراجعت عن وعودها السابقة التي قدمت ايحاءات بأن سياسة جديدة تجاه عملية التسوية قد تكون اساس موقف متوازن تجاه عملية الصراع في المنطقة ، بالرغم من الحذر المشوب بالشكوك لكل متابع لمسار السلوك السياسي الامريكي عند تعلق الامر باسرائيل ، لان الامر مرتبط ببساطه بسياسات المؤسسة المقررة وليس مرتبط بقدوم هذا الرئيس او ذاك ، وخلال انقضاء ما يقارب العام ونصف العام على تسلم الرئيس اوباما مهامه في البيت الابيض ، بدأ السقف السياسي لرؤية الادارة الامريكية الجديدة المعلن عنها في خطابه التصالحي الشهير بجامعة القاهرة بالهبوط شيئا فشيئا الى حدود السياسة التقليدية للولايات المتحدة المتطابق مع برامج الحكومات الاسرائيلية الذي يتهرب من استحاقاقات عملية التسوية وهي تسير على ذات النهج منذ اوسلو وحتى الوقت الراهن ، بل اخذت عمليات الاستيطان على سبيل المثال بالتسارع على نحو لم يسبق له مثيل وتشير الدلائل الى ازدياد نسبة الاستيطان الى 300 % منذ توقيع اتفاق اوسلو ، واذا توقفنا امام الارقام والمعطيات فسوف نجد ان الحكومات الاحتلالية المتعاقبة بغض النظر عن انتمائها الحزبي وتصنيفها تتفق جميعا على عدم امكانية الخوض في القضايا الجوهرية للصراع خاصة موضوع عودة اللاجئين ، والقدس والحدود والمياه وغيرها ، اي ان النخب السياسية الاسرائيلية ليست مؤهلة بعد للوصول الى حل تاريخي يعيد الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني ، ولدى هذه الحكومات الكثير من الوسائل والسبل للتهرب من دفع استحقاقات عملية التسوية ، حيث تعيدنا الذاكرة الى مؤتمر مدريد عندما قال اسحق شامير بأن المفاوضات هدف اسرائيلي يمكن ان نستمر به مائة عام دون الوصول الى نتائج ، وبالفعل مضى ما يقارب عقدين من الزمن ولا يبدو ان ملامح حل عادل ومقبول يلوح بالافق ، وعلى العكس من ذلك استطاعت اسرائيل من تجزئة كل عنوان الى مجموعة عناوين في مباحثات واي ريفر الذي انتج اتفاق اعادة الانتشار في الخليل ، ثم مباحثات كامب ديفيد اعقبها انتفاضة الاقصى وتداعياتها ، ثم ركوب موجه الارهاب بعد احداث سبتمبر 2001 ، واعادة احتلال الاراضي الفلسطينية ، وغيرها الكثير من الامثلة التي تقوم على اعتبارات امنية صرفة ، وفي كل الاحوال فان حكومات الاحتلال لديها خيارات الحرب واستبدال الحكومات في كل وقت تشعر بالحرج امام المجتمع الدولي ، ولاشك ان هناك قناعه دولية بما في ذلك الادارة الامريكية مفادها انه لا يمكن احداث استقرار وامن في العالم دون حل القضية الفلسطينية ، وخاصة بعد غزو افغانستان والعراق ، مهما حاولت اسرائيل صرف انظار العالم عن جوهر الصراع في الشرق الاوسط وقد اقدمت على الحرب في لبنان والعدوان الوحشي على قطاع غزة ، وكذلك محاولة جر العالم الى حرب مع ايران ولكنها لم تفلح في ذلك بعد ان اخذ الوعي العالمي بالتزايد تجاه ما تقوم به اسرائيل من عدوان على الشعب الفلسطيني .لقد اكدت الادارة الامريكية انها ستبذل جهدا استثنائيا لحل القضية الفلسطينية على اسس بدت متفائلة وارسلت مبعوثها الخاص الى المنطقة للمرة العشرين ، وفي كل مرة رفضت حكومة اليمين العنصري تقديم اي جديد ، ثم فضلت الادارة الامريكية ممارسة الضغوط على الطرف العربي الذي قدم مبادرة متوازنة من وجهة النظر الدولية ولكنها لم تلقى اذان صاغية لدى صانعي القرار في تل ابيب ثم راحت الادارة الامريكية تضغط باتجاه مفاوضات دون شروط مسبقة انسجاما مع طلب حكومة الاحتلال تمخض عنها قرارا عربيا وفلسطينا باطلاق مفاوضات غير مباشرة مشروطه بوقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية وخاصة مدينة القدس على ان تحقق هذه المفاوضات تقدما في مسألتي الحدود والامن تمهيدا لمفاوضات مباشرة يتم اقرارها لاحقا عبر لجنة المتابعة العربية ، ولكن مالذي حصل ؟ اعلنت حكومة الاحتلال عن تجميد مؤقت للاستيطان استثنت منه مدينة القدس والحاجات الطبيعية للمستوطنات وقامت بنفس الوقت بمنح العطاءات لالاف الوحدات الاستيطانية في مدينة القدس ومحيطها كما هو حال بقية الاراضي الفلسطينية ، الامر الذي جعل استمرار المفاوضات غير المباشرة عبث لا معنى له وانتصار لحكومة التطرف والاستيطان وغرور ما بعده غرور لرئيس حكومتها الذي اخذته النشوة بكسر تطلعات اوباما وادارته التي تواجه ضغط اللوبي الصهيوني على عتبة انتخابات التجديد النصفية للكونغرس الامريكي .ان استقبال رئيس الولايات المتحدة " لبنيامين نتنياهو " في البيت الابيض جاء لانهاء زوبعة العلاقات العامة اثر لقائه السابق الذي سمي لقاءً عاصفا ، وسرعان ما انتهى بعودة الامور الى سياقها التقليدي ، توّج بضرورة الذهاب الى المفاوضات المباشرة وكلام معسول عن تقديم تنازلات مؤلمة وشجاعه ، والتنازلات المؤلمة والخطوات الشجاعه لدى نتنياهو تعني استثناء مدينة القدس من المفاوضات ، وكذلك استثناء موضوع اللاجئين ولاننسى الاعتراف بيهودية الدولة وبذلك تكون الادارة الامريكية قد اختارت اهون الحلول وهو ممارسة الضغوطات على الطرف الفلسطيني والعربي للتكيف مع املاءات واشتراطات " نتنياهو " ، تلك هي ما تمخضت عنه المباحثات الامريكية الاسرائيلية ولا شك ان الايام القادمة ستشهد الكثير من الضغوطات الامريكية وربما الاوروبية على الجانب العربي والفلسطيني للذهاب الى المفاوضات المباشرة .لقد اظهرت الوقائع ان التنازل لا يجر الا تنازل وبالتالي فان القيادة السياسية الفلسطينية مدعوة الى التمسك الحازم بموقفها الذي اقرته المؤسسات الفلسطينية القاضي بعدم الذهاب الى المفاوضات المباشرة دون وقف الاستيطان التام وفي مقدمتها مدينة القدس ، ووقف اعتداءاتها على المواطنين وممتلكاتهم وهدم بيوتهم ومصادرة اراضيهم ، كما يحتم الوقوف في وجه اجراءات الابعاد عن مدينة القدس ووقف سياسة التطهير العرقي ورفع الحصار الظالم عن قطاع غزة وبقية الاراضي الفلسطينية الاخرى ، كما يتطلب تصعيد المقاومة الشعبية في كافة الاراضي الفلسطينية المحتلة من خلال استنهاض الطاقات وجعله منهجا يحتذى به حتى زوال الاحتلال ، وتوفير الدعم الكامل لتعزيز صمود شعبنا على ارضه وفي وطنه .ان الموقف العربي من المفاوضات المباشرة ينبغي ان يصّب بنفس الاتجاه وعلى جامعة الدول العربية ولجنة المتابعة العربية مقاومة الضغوط الامريكية بالذهاب الى المفاوضات المباشرة دون وقف الاستيطان في كافة الاراضي الفلسطينية وتوفير الدعم الكامل للموقف الفلسطيني بالذهاب الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار ملزم يعترف بالدولة الفلسطينية على كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة بعاصمتها القدس ، المطلوب من الجميع تفويت الفرصه على حكومة الاحتلال وافشال استراتيجتها من جعل المفاوضات هدفا بحد ذاتها ورفض سياسة تدوير المفاوضات ، قبل كل ذلك فان درء المخاطر يبدأ من استعادة الوحدة الوطنية وانهاء حالة الانقسام وتعزيز الموقف الفلسطيني فإن الأسوأ لم يأتي بعد . عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية