بعد أربع سنوات من حرب لبنان الثانية يمكن لحزب الله أن يسجل لنفسه انجازا آخر في المعركة حيال اسرائيل. الجنوب مرة اخرى في يده. حسب التقديرات المختلفة، فقد نجحت المنظمة الشيعية في اعادة بناء قدراتها العسكرية جنوب نهر الليطاني حيث اقامت منظومة اطلاق صواريخ ما كانت لتخجل أي جيش في العالم، واستعادت البنى التحتية التي تضررت بشدة في الحرب في القرى الشيعية في الجنوب. قوات يونيفيل التي ترابط في جنوب لبنان كجزء من قرار 1701 لمجلس الامن الصادر في نهاية الحرب، في 2006 كان يفترض بها أن تمنع هذا النشاط. ولكن في الاشهر الاخيرة تجدها تعاني من تنكيلات القرى الشيعية في جنوبي الدولة، والتي اغلب الظن يحركها حزب الله. القوة الدولية، ولا سيما الكتيبة الفرنسية تعاني من اهانات متكررة من جانب السكان. وفي بعض الحالات اختطف السكان اسلحة من الجنوب ورشقوهم بالحجارة والبيض. هذا الاسبوع توجه قائد قوات اليونيفيل في لبنان الجنرال الاسباني البيرتو أسرتا، الى الحكومة اللبنانية وطلب الحماية لرجاله. بالمقابل، لم يخفِ رجال حزب الله افتخارهم بنجاحهم في افراغ قوات اليونيفيل من صلاحياتهم. المواجهة التي بادر اليها حزب الله مع رجال القوة الفرنسية اعادت من جديد الجدال اللبناني الداخلي بين معسكر "المستقبل" برئاسة رئيس الوزراء الحالي سعد الدين الحريري الذي تعتبر فرنسا سيدته، والمنظمة الشيعية. بينما يلمح رجال حزب الله بان الكتيبة الفرنسية في اليونيفيل تخدم مصالح "اجنبية"، والمقصود اسرائيل، سافر الحريري الى باريس في محاولة لمصالحة الرئيس نيكولا ساركوزي والايضاح به بان لبنان معني بمواصلة وجود الجنود الفرنسيين على اراضيه. وهكذا، احد الانجازات الاكثر اهمية لاسرائيل في حرب لبنان – ابعاد حزب الله عن الحدود الشمالية – آخذ في الاختفاء. فالمنظمة، التي تلقت ضربة قاسية في صيف 2006، انتعت بوتيرة مثيرة للانطباع على عدة مستويات – العسكري، المدني والسياسي. أكثر ضبطا للنفس "الضربة لم تكن قاضية، ولكنها اليمة بما فيه الكفاية لتقود حزب الله في مسيرة النضج"، يقول البروفيسور ايال زيسر، الخبير في الشؤون السورية واللبنانية وعميد كلية العلوم الانسانية في جامعة تل أبيب. "المنظمة تعرض منذ الحرب خطا أكثر ضبطا للنفس، اكثر كبحا لها. هذا نوع من التجارب التي تثير. من جهة اخرى، فان الندبة التي لحقت بها في تلك الحرب اياها، تدفعها الى التفكير عدة مرات قبل أن تسعى الى الصدام مع اسرائيل". في الانتخابات البرلمانية الاخيرة، في 2009، كاد لا يكون هناك أي تغيير في مكانة حزب الله. في البداية اعترف مسؤولو المنظمة بالخسارة. ولكن المنظمة فقدت بالاجمال مقعدا واحدا بالنسبة للانتخابات السابقة، بينما الشريك المسيحي في المعسكر المناهض للغرب، ميشيل عون، زاد قوته وأوضح بان معظم المارونيين في لبنان اليوم يدعمون حزب الله. ومع ذلك، فان "السقف الزجاجي" لطريقة الانتخابات في الدولة يقيد المنظمة، وذلك لان الشيعة في لبنان يمكنهم ان يحظوا بـ 27 مقعدا في البرلمان فقط. ولعله لهذا السبب، فان السيطرة العسكرية لحزب الله في الدولة آخذة في الاشتداد فقط. الجيش اللبناني، الذي يحظى بمساعدات امريكية، يمتنع عن كل مواجهة مع حزب الله والمنظمة هي الاخرى معنية بمواصلة الهدوء مع الجيش. حاليا على الاقل، رغم التسلح غير المسبوق بالوسائل القتالية، يبدو ان حزب الله لا يسعى الى جولة اضافية من القتال مع اسرائيل ويفضل مواصلة السيطرة التدريجية له على لبنان. من جهة اخرى، في بداية حزيران 2006 ايضا، قبل عدة ايام من اندلاع الحرب، قدروا في لبنان بان حزب الله لا يبحث عن مواجهة مع اسرائيل. عقبة كأداء يوم الاحد توفي لبنان آية الله محمد حسين فضل الله، ابن 75. فضل الله احد رجال الدين الشيعة الاهم في العالم الاسلامي، يعتبر في الثمانينيات احد مؤسسي حزب الله وزعيمه الروحي. ولكن، وفضلا عن ذلك، فضل الله كان احد رجال الدين الشيعة الاكثر تشويقا في العالم الحديث. فتاويه مصدر للاقتداء لمئات الاف الاشخاص ولكنها كانت ايضا في بؤرة الخلاف مع المؤسسات الشيعية الدينية في ايران. فقد ولد في العام 1935 في النجف في العراق، لاب من مواليد لبنان، كتب الشعر حتى سن 12 وعندها بدأ دراسته في احدى المدارس الشيعية في المدينة. في 1966 انتقل الى لبنان وعمل هناك في تعليم الدين وفي نشاطات الرفاه في اوساط الشيعة. فضل الله اكثر من الانشغال بمكانة المرأة وادعى بان العلاقات غير المتساوية بين الزوج وزوجته تتعارض والقرآن. كما أنه عرض مواقف متقدمة نسبيا بالنسبة للاجهاض وادعى بان الاجهاض مسموح في كل مراحل الحمل، اذا كان الجنين يعرض صحة المرأة للخطر. أما بالنسبة لمشاركة الرجل في الاعمال المنزلية، فقد كتب فضل الله يقول ان "مصدر الادعاء بان من العار على الرجل العمل في المنزل، هو الثقافة الاجتماعية للجهل، وليس للاسلام". بل شرح بان أبا الشيعة، الامام علي، درج على مساعدة زوجته فاطمة (ابنة النبي محمد) في الاعمال المنزلية، وعندما طلب منها النبي ان تعد له الخبز، نظف علي البيت وجمع الحطب. بل ان فضل الله شجع النساء على دراسة علوم الدين، المشاركة في تفسير النصوص الدينية، والبحث في هذه المواضيع حتى مع الرجال. وأعرب فضل الله عن تأييده المطلق للثورة الاسلامية في ايران في 1979، ولكنه تحدى آية الله خميني والعصبة التي احاطت به. وغير مرة حذر رجال الحركة الاسلامية من الزعماء الكاريزماتيين (وذكر صراحة الخميني)، الذين يغطون بشخصياتهم على الرسالة التي يفترض بهم ان ينقلوها الى جمهورهم. منذ 1982 انشغل باقامة شبكة مؤسسات اجتماعية في لبنان، بتكليف من معلمه الروحي، آية الله حاوي، الذي رأى فيه مرجع التقليد – الزعيم الديني الاكبر الذي يجب تقليد طريقه ومعتقداته. وذلك، رغم أن حزب الله وايران رأوا في آية الله خميني " مرجع التقليد ". في أعقاب وفاة الخميني في 1989، بدأت تعلو بقوة أكبر مسألة خليفته كـ " مرجع التقليد " للعالم الشيعي. فضل الله رأى في آية الله حاوي مرجع التقليد ، مثل كثيرين آخرن في العالم الشيعي. ومع وفاة حاول في 1993، اصبح آية الله جول – فجاني الايراني " مرجع التقليد " لفضل الله. ولكن عندما توفي ايضا جول – فجاني بدأت الازمة الحقيقية والعلنية بين فضل الله، حزب الله وايران. طهران أعلنت بان آية الله اراكي، ابن اكثر من مائة سنة، سيكون مرجع التقليد للشيعة وهكذا أعدت الارضية للاعلان عن تعيين علي خمينئي للمنصب بعد وفاة اراكي. ولكن فضل الله أعلن بانه يؤيد آية الله السيستاني الذي يتخذ من النجف في العراق مقرا له. في هذه المرحلة أعلن حزب الله بانه يؤيد موقف طهران وان على رجال المنظمة ان يؤيدوا اراكي وان يمتنعوا عن أن يروا في أي زعيم آخر " مرجع التقليد ". في كانون الاول 1994 توفي اراكي وبعد ثلاثة اشهر من ذلك أعلنت ايران عن تعيين خمينئي في المنصب السامي. وادعى فضل الله في حينه بان هذه محاولة من ايران لتعزيز المكانة السياسية – الدينية لها في اوساط الشيعة وواصل التمسك بالسيستاني الامر الذي جعله هدفا للهجمات من جانب رجال الدين الشيعة. اضافة الى ذلك، قوطع مسجده بل وفي احدى الحالات اطلقت النار على سيارته. ومع أنه تصالح منذئذ مع قيادة حزب الله الا ان فضل الله مال الى الحفاظ على مسافة عنه. وامتنع عن الاعتراف بزعامة ايران في العالم الشيعي وحافظ على حكم ذاتي ديني الى جانب التميز السياسي.