مع بزوغ فجر المغيرات الدولية وما أصاب العالم من رياح بل أعاصير سياسية قلبت الثوابت ، كانت تركيا من بين تلك الدول التي أصابتها أعاصير التغيير مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، حيث بدأت مرحلة جديدة في سياستها الخارجية، قوامها( الاستقلالية، والانفتاح، وتحسين العلاقات الإقليمية مع الجميع، والاعتماد على سياسة تعدد الأبعاد) .وانطلاقا من سياسية تعدد الأبعاد التي أعلنها( احمد أوغلوا) احد أقطاب حزب العدالة التركي لابد أن نفهم الموقف التركي الراهن تجاه القضية الفلسطينية ، وإدراك إن انفتاح تركيا على القضية الفلسطينية لم يكن يوماً، على حساب الاعتراف والتطبيع المطلق مع ’إسرائيل’.، ويرجع ذلك إلى أن تركيا لا تزال مرتبطة بنحو 60 معاهدة أمنية وعسكرية مفعلة مع ’إسرائيل’، كما تعد الشريك التجاري الإسلامي الأكبر لها. ففي سنة 2009 بلغت الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا ما مجموعه 1.073 مليار دولار، وبلغت الواردات الإسرائيلية من تركيا ما مجموعه 1.388 مليار دولار،. في الوقت نفسه وحسب سياسة تعدد الأبعاد تتبنى تركيا القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية (مبدأ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس ) ، والاتفاق على حل عادل لقضية اللاجئين. ووقفت ضد أي تغيير في هوية شرقي القدس، كما وقفت ضد الاستيطان في الضفة الغربية. وعلي ما يبدو أن حكومة الكيان الصهيوني تدرك تماما حاجة الحكومة التركية للدعم الصهيوني في تحقيق تقاربها مع المنظومة الغربية، وتركين الصراع مع قبرص واليونان فتراها تضرب كثيرا بالقرارات التركية عرض الحائط ، في المقابل موقف جامد إستاتيكى من قبل الحكومة التركية ، وأصبحت سياسة طلب الاعتذار أعلى سقف مطالب تركيا تجاه إسرائيل، ورأينا أن هذا الأمر تكرر مرارًا حين ضربت السيادة التركية، ورأينا ذلك حين. استدعى نائب وزير الخارجية الإسرائيلية داني أيالون السفير التركي أحمد جليلقل لمقره في الكنيست ، واضطره للانتظار مدة طويلة قبالة باب موصد وأجلسه على مقعد منخفض مقابل مقاعد مرتفعة للموظفين الإسرائيليين.ليس هذا فحسب بل بادر أيالون للقول أمام كاميرات التلفاز إنه يرفض مصافحة السفير، وإن الأمر الجوهري أن يرى العالم أنه يبدو ’منخفضا’ بينما نحن ’مرتفعون’، وإن ’هناك علما إسرائيليا فقط على المائدة بيننا’.كما سبق أن أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانا حملت فيه بشدة على انتقادات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لهمجية الاحتلال ، جاء فيه أن تركيا هي آخر من يوجه عظات لإسرائيل وجيشها، في إشارة لاتهامات تاريخية للأتراك بارتكاب مذبحة ضد الأرمن عام 1915.المهم وبرغم من فداحة هذه الإهانات اكتفت تركية، ورضيت فقط بالاعتذار ، واليوم نحن أمام هروب دبلوماسي جديد يدل على تجذر سياسة تعدد الأبعاد المؤلمة لحاملة مجد العثمانيين الجدد، حين قررت تركيا منح إسرائيل مهلة 25 يوما لتقديم اعتذار رسمي عن الهجوم على ’أسطول الحرية’ لغزة، وتقديم التعويضات المناسبة لأسر الضحايا التسعة ’ 8 أتراك وأمريكي من أصل تركي’. وأعلنت مصادر دبلوماسية أن أنقرة قررت الانتظار حتى نهاية شهر يوليو الجاري قبل الإقدام على خطوات جديدة في علاقاتها مع إسرائيل، لمنحها الفرصة لتنفيذ مطالب تركيا بالاعتذار وتقديم التعويضات أو قبول لجنة تحقيق دولية في الهجوم الإسرائيلي، والتي قدمها وزير الخارجية أحمد داود أوغلوا لوزير التجارة والصناعة والعمل الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر خلال لقائهما فى بروكسل.وانطلاقا من تلك المنعطفات نري أن تركيا بحكومتها الحالية تتخبط بين بعدين ( البعد الإسلامي والبعد الغربي ) ويبدو أن ميولها نحو البعد العربي الإسلامي ما هو إلا مخرج بعد رفض الأوربيين مرارا لانضمام تركيا للاتحاد الأوربي ، وباعتقادي ربما فهمت تركيا وبشكل ربما يكون خاطئا أن تقاربها مع إسرائيل صنيعة الغرب هو المفتاح الأيسر للتقارب مع الغرب ، واحتواء أزماتها الدولية ، لذا ورغم السياسة الاستفزازية التي تقوم بها إسرائيل نحو تركيا، والاهانات الموجهة لها تترى ، لم تجد تركيا أمامها إلا السعي وراء دبلوماسية الاعتذار ، عسي أن ترضى غرور من ينظر إلى اوردغان وحزبه ، على أنهم المخلصين الجدد ! أو ربما يظهر منهم مراد الأول ومحمد الفاتح الجديد ، في ظل غياب الكاريزما العربية والإسلامية ، والسؤال الذي يطرح نفسه إلى متى ستظل دبلوماسية الاعتذار مسكنة للشعوب الحالمة بالمجد الإمبراطوري الإسلامي الجديد ؟ كاتب باحث فلسطيني .