قضية جلعاد شليت تشوش لنا عالمنا. كجمهور وكأفراد. وحتى من يميل الى موقف ما بالنسبة لشكل معالجة تحريره يجب صعوبة في أن يتجاهل تماما الموقف المقابل. الاحساس والعقل ينازعان الواحد الاخر. يخيل ان ايضا من يعرض موقفا قاطعا، نجد الشك ينخر فيه. هكذا ولد هنا خلاف نادر في مطارحنا، كل طرف فيه يفهم، واحيانا حتى السخافة، الطرف الاخر. هكذا مثلا، نجد بين المؤيدين في المسيرة من اجل جلعاد ابناء عائلات ثكلى يعارضون الاستسلام لمطالب حماس وتنفيذ صفقة معها. وهكذا نحن نسمع حاييم ابراهام، اب الجندي الراحل بني ابراهام الذي اختطفه وقتله حزب الله، يقترح سبلا اخرى لتحرير جلعاد – ولكنه يصرح بانه ليس ضد المسيرة. وذروة السخافة: الوزراء الذين يعتزمون المشاركة في المسيرة التي هي في واقع الامر احتجاجا ضد سياسة الحكومة التي هم اعضاء فيها ويتحملون المسؤولية عن قراراتها. بمعنى، المعارضة للصفقة مع حماس هي قصة واحدة، اما التضامن مع عائلة شليت واظهار التفهم لكفاحها – فهي قصة اخرى. لا أحد قادر على ان يقف امام ضائقة العائلة النبيلة والمنضبطة. لا يمكن لاحد ان يتجاهل مسؤولية الدولة عن مصير جنودها والتزامها بانقاذهم حين يعلقون في ضائقة واعادتهعم بسلام الى الديار. ولا احد ايضا قادر على ان يدحر من قلبه الفكرة في كيفية التصرف لو أن هذا كان ابنه. ومن جهة اخرى، من الصعب تجاهل حجج معارضي الصفقة التي فيها منطق، مثلا بالنسبة للخطر المرتقب من تحرير سجناء قتلة، سيعودون الى ايقاع الضحايا بيننا. ما يثقل على الخلاف المحترم والجدي هذا هو نبرات لاذعة، متزلفة، غير نزيهة، تتغلغل في الجدال. فعندما يتردد شخص في داخله كيف كان سيتصرف لو كان محل عائلة شليت، فان هذا امر مفهوم وانساني. ولكن عندما تطلق سيدة متحمسة بالبث الاذاعي المباشرة لجملة من : لو كان هذا ابن نتنياهو لكانوا دفعوا الثمن لقاء تحريره – فان هذه ديماغوجيا رخيصة وبشعة. مع كل الاحترام، لهذه السيدة لا توجد أي مسؤولية رسمية في ما توجد هذه المسؤولية لرئيس الوزراء. فهي لا تعرف شيئا عن الاتصالات مع حماس بينما لدى نتنياهو كل المعلومات. موقفه يقوم على اساس هذه المعلومات وعلى اساس مفهومه السياسي والامني. هناك من سيقول انه محق، وهناك من سيدعي بانه مخطىء. ولكن ماذا كان سيحصل لو كان الحديث يدور عن ابنه. لا يمكن ان يشكل عنصرا في هذا الجدال. هذا ليس ابنه والحسم القاسي موضوع على كتفيه. اذا حصل شيء لجلعاد فانه هو الذي سيحمل هذا على ضميره طوال حياته. لا اقترح ان نحسده. ولاذعة ظاهرة الوزراء والنواب، وآخرهم وزير المالية، ممن يعارضون الاستجابة لمطالب حماس، كما تطلب عائلة شليت، ولكنهم يحرصون دوما على استباق معارضتهم العلنية بالقول انهم لو كانوا في وضع العائلة لعملوا بالضبط بنفس الطريقة، وكأن بهم "يبطنون" الضربة التي يوقعونها عليها. وهذا ليس فقط لاذعا – بل غير منطقي ايضا. اذا كنت بالنسبة لابنك ستتصرف مثل عائلة شليت، سيدي الوزير، فهذا يعني، شئت ام أبيت، ان موقفها – موقفك. بمعنى، انه يجب دفع كل الثمن الذي تطلبه حماس. إذن اذا كان الحديث يدور عن ابن شخص آخر فموقفك يتغير ويصبح محظورا دفع الثمن؟ وللموضوع ذاته، فاني أتبنى رأيا سبق أن اعربت عنه في صالح الاستجابة لمطالب حماس، ولا سيما لان الحديث يدور عن فداء للنفس. قضية رون اراد تقف فوق قضية جلعاد شليت كاشارة ضوئية للتحذير ويجب أن تكون عاملا حاسما في اعتبارات الحكومة، حتى وكان كانت الظروف مختلفة. ولكن حتى من يختلف مع هذا يجب أن يبقى في نطاق الحجج المنطقية والشرعية والا ينزلق الى التزلف والديماغوجيا الرخيصين.