مر اسبوع منذ قرار محكمة العدل العليا في قضية المدرسة الحريدية في "عمانوئيل"، وما يزال الموضوع ساخنا وفي جدل صارخ. تتطاير تهم شديدة في الهواء، وتحدث أمور مؤسفة تستدمع العيون وأصوات التصادم بين القانون العلماني والشريعة (بحسب الفهم الحريدي) تصم الاذان مثل الابواق في جنوب افريقية. إن أسئلة ثقيلة الوزن من العنصرية والتمييز وعدم اطاعة القانون تثبت للبحث العام. بل إن شاس قد قالت مقالتها آخر الأمر. لكن الصهيونية المتدينة وحدها تصمت ولا يسمع صوتها. كتب الوزير دانيال هرتشكوفيتس مقالة في "ان ار جي" ورد حاخامات "تساهر" بإعلان، وربما كان هناك نبأ منشور آخر لم يصلني. لكنه لا يوجد ما يقال عند الجسمين السياسيين الذين قاما على أنقاذ المفدال أي الاتحاد الوطني والبيت اليهودي. ألا يوجد موقف لقيادتيهما ومؤسساتهما (إن وجدت) من شؤون العنصرية والتمييز الاجتماعي واحترام القانون والنظرة الى المحكمة؟. إن محاولة ايجادة هذه الاسئلة تقتضي العودة الى ظاهرتين تميزان الصهيونية المتدينة في السنين الأخيرة: الانشقاق والتحرد (التحول الى الحريدية). وهما مقترنتان بعضهما ببعض. لم يعد الانشقاق يعبر، كما في الماضي، عن فروق في الاتجاهات السياسية والعقائدية، بل عن اختلاف أيضا في السلوك الديني ونمط حياة الفصائل المختلفة. وهو يسبب عدم وجود قيادة قوية مقبولة في الصهيونة المتدينة، كتلك التي تستطيع ان تصوغ موقفا، وتخط نهجا وتقود في مجالات مختلفة – سياسية واجتماعية ودينية. ومن الجهة الأخرى، يحدث التحرد (التحول الى الحريدية) تفهما للحريديين وسلوكهم، بل مشايعة لهم، ويمنع التمايز العقائدي والديني الظاهر منهم كما في الماضي، ولن نقول الثورة عليهم. زيادة على ذلك، أصبح الحريديون القوميون، الذين زاد تأثيرهم في المعسكر الديني – القومي في السنين الاخيرة، أكثر شبها في نمط حياتهم وتصوراتهم الدينية والشرعية الى الحريديين. انظروا مثلا تتويج الحاخام الياهو (زاتسال)، الذي كان حريديا متشددا "زعيما للصهيونية المتدينة"، وعدم ثقتهم بالمحاكم والتغييرات التي تنشأ في بنيه عكيفا. إن مشايعة الدولة فقط هي التي ما زالت تفرق بينهم وبين الحريديين، وثمة خوف من أنه اذا نشأ مسار سياسي يفضي الى مصالحات وتخلي من "اراضي الوطن" فان هذا الفرق سيتقلص أيضا. استمد الحريديون القوميون من الحردييين ايضا عددا من الظواهر المعيبة من التمييز والتمايز والانطواء التي تميزهم. هلم نبين الأمر: يوجد في المعسكر الحريدي ظواهر بينة من العنصرية والرفض والتمييز على أساس طائفي، حتى وإن لم تكن حالة عمانوئيل هي كذلك بالضبط. ويعبر عنها في مجالات التربية وأكثر من ذلك في مجال الزواج. فلا يكاد يوجد هناك نكاح بين الطوائف، بل بين التائبين الذين يرفض نكاحهم مع حريديين أطهار أنقياء العنصر. وفي مقابلة ذلك، المعسكر الديني – القومي بريء من العنصرية والتمييز الطائفي. يوجد فيه "نكاح مختلط" كثيرا وفي المدارس الرسمية – الدينية، وفي المعاهد الدينية والنوادي الدراسية يدرس الغربيون والشرقيون معا. أما الاثيوبيون فهم مشكلة في حد ذاتها فقد ظهرت في التربية الرسمية – الدينية ظواهر التمييز الواقعة بهم، لكن يجب أن نتذكر ان هذه التربية استوعبت كثيرا من أبناء هذه الهجرة، بغير ما صلة بكبرها. يوجد في الصهيونة المتدينة على اختلاف فصائلها ايضا غير قليل من أطر الدراسة الخاصة، المتمايزة والنخبوية، والتمييزية في الاصل. وأكثرها تميل الى الحريدية. إنها تحظى بدعم مالي حكومي، لكنها تصوغ مؤسساتها وطوائف طلابها كرغبتها وكهواها، مع تجاهل مطالب وزارة التربية. ولا يوجد في جزء منها دراسات للمواضيع الجوهرية وهي ترفض طلابا يوجد فيهم او في عائلاتهم عيوب دينية وتجعل الآباء يوقعون على شروط مختلفة، كمنع الابن من استعمال الانترنت، مثل الحريديين تماما. اليكم حكاية: طلبت فتاة من بيت حريدي – قومي خالص محتشمة برة أن تقبل في ناد فخم الشأن. سئلت في مقابلة الدخول أتتحدث مع البنين وأجابت بنعم فرفضت. فبعد كل ذلك كيف تمكن الثورة على التمييز والانتقائية عند الحريديين؟ عندما يكون زبد على رأسك لا تخرج في الشمس.