الحصار الذي فرضته اسرائيل على غزة هو خطوة مناسبة وشرعية. ولها غايتان: الاولى، هدف أمني فوري ومباشر – منع او تقليص ادخال الاسلحة، الوسائل القتالية، المواد المتفجرة ومواد البناء اللازمة لاقامة التحصينات؛ الثانية، هدف سياسي في جوهره، تعترف اسرائيل لسبب ما به بتردد وبتلعثم، الا وهو محاولة المس باقتصاد غزة وبذلك تقلل من القوة السياسية لحماس من خلال اضعاف التأييد الجماهيري لها. الضغط الاقتصادي هو وسيلة سيئة وقاسية، نجاحها غير مضمون، ولكن دون ريب افضل من الحرب والقتل، اللذين واقع الارهاب الحماسي في غزة سيفرضها في نهاية اليوم على اسرائيل. "جيران" غزة – اسرائيل، مصر والسلطة الفلسطينية – الذين بالنسبة لهم دولة الارهاب في غزة هي تهديد فوري وملموس، يفهمون جيدا أهمية الاغلاق الاقتصادي، يريدون ويؤيدون مواصلة وجوده بهذه الصيغة او تلك. دول العالم الاخرى، الذين لا يلامسون هوامش الدولة الحماسية، هي أساس المطالبين برفع الحصار. وكلما كانت الدولة الصارخة أبعد عن خط الشناعة الغزية، هكذا تكون مطالبتها اكثر صخبا وحزما. واضح للجميع، بان انهاء الاغلاق واعادة بناء الحياة الاقتصادية في غزة معناهما تثبيت حكم حماس، وعلى أي حال نهاية حلم السلطة الفلسطينية باستعادة حكمها على كل المناطق الفلسطينية. الوجود المنفصل لكيانين سياسيين مختلفين – في غزة وفي يهودا والسامرة – هو عائق جوهري امام تحقيق التسويات الدائمة. اسرائيل ستوافق، في نهاية المطاف، على اقامة دولة فلسطينية، ولكنها لن توافق، وعن حق، على اقامة دولتين فلسطينيتين، احداهما هي جزء من منظومة الارهاب الايرانية – السورية. ورغم كل شيء، فان العالم بأسره (باستثناء "الجيران"، كما اسلفنا) يريد غزة مفتوحة، حرة وسعيدة، حتى تحت حكم حماس. يبدو ان الضعف السياسي المتزايد لاسرائيل – وقضية الاسطول الى غزة ليست السبب بل النتيجة – سيجبرها على ان توافق، بقيود معروفة، على استئناف ادخال البضائع والمنتجات الى غزة. التخوف من ادخال وسائل قتالية الى غزة ليس كبيرا: فحتى أكثر الدول الراغبة في الغاء الاغلاق صخبا ترفض ادخال السلاح الى غزة، ويمكن الافتراض بانه بناء على رأي الجميع ستتخذ ترتيبات رقابة مناسبة لمنع المخاطر الامنية. التخوف هو، كما اسلفنا، من تثبيت حكم حماس. من أجل التقليل، قدر الامكان، من اضرار رفع الاغلاق، ملزمة اسرائيل بان تشترط موافقتها بترتيب بموجبه يدار التموين لغزة من آلية تتشكل لهذا الغرض وتكون خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية (بتنسيق واشراف اسرائيلي ودولي آخر). اسرائيل ملزمة بان تمنح السلطة الفرصة لتحسين الحياة الاقتصادية في غزة وتسليمها القدرة على حث (او ابطاء) سياقات اقتصادية في القطاع. اسرائيل ملزمة ايضا بان تتأكد بان يكون واضحا ومعروفا لكل غزي، بان السلطة الفلسطينية – شريكة اسرائيل في المسيرة السلمية – هي مجددة الحياة الاقتصادية في غزة. هي، وليس السلطات التي تسيطر عليها حماس. وهكذا فان الالية التي سترتب ادخال البضائع الى غزة ستصبح أداة تأثير وسيطرة هامة جدا على حياة السكان، وادارتها من السلطة الفلسطينية ستمنحها مكانة جوهرية ومقررة في غزة وتزيد تعلق سكانها بالسلطة. يحتمل أن يكون هكذا ممكنا للسلطة أن تبدأ بترميم مكانتها في غزة. يمكن الثقة بالسلطة الفلسطينية في أن تحرص في الرقابة على البضائع الوافدة الى غزة. فخوفها من تسلح حماس لا يقل عن خوف اسرائيل. اذا رفضت اسرائيل اقامة آلية التموين ما أسلفنا، الامر الذي هو متوقع بالتأكيد، ستصر اسرائيل على فرض الاغلاق بحجومه الحالية. احد في العالم لن يوافق ولن يقبل معاذير حماس "السياسية". واضح، للفلسطينيين بشكل عام وللغزيين بشكل خاص، بان حماس وشركاءها الاتراك هم الذين نجحوا في حث عملية انهاء الاغلاق الاسرائيلي – المصري على غزة، وحمله، كما يبدو، الى نهاية "ناجحة" من ناحيتهم. اسرائيل ملزمة بان تنزع من حماس وشركائها ثمار النجاح. اذا كان بسبب رفع الاغلاق ستتعزز السلطة على حساب حماس، لعل في ذلك يخرج خير ما من هذا الشر.