غدا تحل الذكرى الثلاثين للاعلان الاوروبي الاهم بالنسبة للسلام في الشرق الاوسط، اعلان البندقية. بعد اكثر من سنة من التوقيع على معاهدة السلام التاريخية بين اسرائيل ومصر، تبين للعالم بان محادثات الحكم الذاتي بين الدولتين، حيث يديرها من الجانب الاسرائيلي زعيم المفدال، د. يوسف بورغ – هي نكتة سيئة. في تشرين الاول 1979 استقال وزير الخارجية موشيه دايان من الحكومة وادعى بان محادثات الحكم الذاتي تجري بوتيرة بطيئة جدا. في 24 ايار استقال وزير الدفاع عيزر وايزمن، على ذات الخلفية. وكانت هذه هزات ارضية سياسية داخلية وخارجية كشفت أمام العالم توترات داخل حكومة بيغن ودلت على عدم جدية نواياه في الموضوع الفلسطيني. كانت هذه هي خلفية انعقاد تسعة رؤساء دول اوروبية ووزراء خارجيتها في البندقية في 13 حزيران 1980، ونشر البيان ببنوده الـ 11، التي رسمت خطوط الاتفاق المناسب، في نظرهم، للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. لم يسبق أن نشرت اوروبا ابدا وثيقة اكثر تفصيلا عن حل النزاع، لا قبل البندقية ولا بعدها. الامران الاكثر جدة في الاعلان كانا الموقف من حق تقرير المصير للفلسطينيين والدعوة الى اشراك م.ت.ف في عملية المفاوضات. استقبلت حكومة اسرائيل الاعلان بالمفاجأة والصدمة. رئيس الوزراء في حينه مناحيم بيغن لم يصدق على الاطلاق بان هذا يحصل له. وهو بالطبع رفض اعلان البندقية رفضا باتا واعتبره خطوة معادية لاسرائيل. اما الدول العربية فرأت في اعلان البندقية وثيقة غير كافية كونها لم تتحدث عن تحقيق "حق العودة" او عن القدس كعاصمة فلسطين. وكان الاسد كما هو متوقع اكثر تطرفا من نظرائه. ومثلما يشتاق الكثير من رجال اليمين اليوم لوثيقة لندن في العام 1987، والتي كانت كفيلة بان تغير التاريخ في المنطقة، قبل سنة من قرار الملك حسين التخلي عن الضفة الغربية او الاتفاق بين محمود عباس وبيني في 1995، والذي ابقى كل المستوطنين في الضفة العربية في منازلهم، هكذا ايضا اعلان البندقية هو، اغلب الظن ، موضع شوق. الاعلان يولي اهمية خاصة لمبدأين اساسين – حق كل دول المنطقة، بما في ذلك اسرائيل، بالوجود والامن والعدل لكل الشعوب، مما يعني الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني (الاعتراف الذي جاء قبل ذلك في اتفاقات كامب ديفيد). بالنسبة للقدس قيل ان الدول التسع لن تتخذ أي افعال من طرف واحد وان الحل ينبغي أن يضمن حرية وصول الجميع الى الاماكن المقدسة. ولا يوجد اقتراح لحل مشكلة اللاجئين، وهناك تشديد على ان المستوطنات هي انتهاك للقانون الدولي، واسرائيل مدعوة لان تضع حدا للاحتلال. كل الاطراف مدعوون للامتناع عن استخدام العنف، وخلق اجواء الثقة المتبادلة بحيث يتاح ايجاد حل شامل للنزاع الشرق اوسطي. أنظر الى الورقة التي اصفرت في ارشيفي. لم أذكر كل تفاصيلها، رغم اني اخرجتها عدة مرات من هناك في الثلاثين سنة الاخيرة. باستثناء موضوع المستوطنات فان هذه وثيقة توجد على يمين شارون واولمرت، وفي النظر الى الدولة الفلسطينية حتى على يمين نتنياهو. الاستنتاج الواضح هو ان الزمن يعمل في طالحنا. كلما تذاكينا ورفضنا المقترحات التي تطرح اليوم، سنجد مقترحات أقل راحة في المستقبل. الاشواق للبندقية لن تجدي نفعا.