إن الجدل في سؤال أتوجد أزمة انسانية تسوغ محاولات خرق الحصار الاسرائيلي على غزة يذكر قليلا بنقاش سؤال أيوجد في اسرائيل حقا 1.6 مليون فقير أم أن طريقة القياس فاسدة. لنفرض أن العدد مبالغ فيه وأنه يعيش في اسرائيل مليون شخص "فقط" تحت خطر الفقر وأن 600 ألف ارتفعوا فوق الخط بـ 50 شيكلا أو مائة او حتى 500 مائة. أيعني ذلك أن حياتهم على ما يرام؟ صحيح ليس في غزة جوع كما في أفريقية، ويبدو أنه يوجد مقدار معقول من الأدوية الأساسية والقُمُط، واحتياجات النساء الأساسية، والصابون ومواد التنظيف بفضل مساعدة كثيفة من وكالة الغوث الدولية و "سخاء" الجيش الاسرائيلي الذي يبسط هيمنته على المعابر الى القطاع. أبهذا نفخر؟ في غزة أزمة ضخمة – اجتماعية، وصحية، وتربوية، واقتصادية ونفسانية. إن أكثر من 1.5 مليون من البشر هم معطى احصائي في مأساة لا تنتهي، يعيشون في سجن لا يستطيعون الخروج منه إلا إذا كانوا مرضى جدا أو فاسدين او ذوي علاقات. إن نحوا من نصف السكان أولاد، لكن آباءهم لا يستطيعون منحهم دراسة مناسبة وأن يأملوا لهم مستقبلا أفضل. وأكثر البالغين متعطلون؛ ويحتاج 90 في المائة منهم الى مساعدة الأمم المتحدة. يعيش سكان غزة مع قطع الكهرباء الدائم وماء الصرف الصحي الذي يجري في الشوارع. لا تسمح اسرائيل بادخال مواد بناء لمنع حماس أن تبني من جديد مباني هدمت بقصف الجيش الاسرائيلي. بيد أن حماس تحصل على مواد البناء من التجارة النامية تحت أرض غزة، أما السكان فيضطرون الى العيش في أنقاض، وفي خيم الأمم المتحدة أو في بيوت ينجحون في بنائها أحيانا من اللبن. إن أسباب الحصار الاسرائيلي تتغير. فمرة يقولون إنه يرمي الى منع دخول السلاح، وأخرى يقولون إنه يرمي الى اسقاط سلطة حماس. ويقولون منذ الرحلة البحرية إنه يرمي الى منع اقامة ميناء ايراني في البحر المتوسط. ومن الحقائق ان الحصار لم يمنع تهريب الصواريخ والبنادق. فقد قوى حماس التي تثري من الأرباح التي تجبيها من المهربين وتجند اخلاص السكان لكونها رب العمل شبه الوحيد في القطاع، بعد ان سببت اسرائيل تدمير البنى التحتية الاقتصادية. كان يمكن منع تهريب ا لسلاح بشتى الوسائل لا بحصار شامل، لكن للجميع مصلحة في وجود الحصار البري والبحري. فاسرائيل تريد أن تسبب معاناة للسكان ليسقطوا حماس. من يسقط السلطة؟ أهم العمال في مؤسسات السلطة؟ أم حفار الأنفاق المثرون؟ أم الأولاد الحفاة ذوو المخاط السائل من الأنوف، من الجيل الثالث والرابع من اللاجئين؟ من؟ اسرائيل تعاقب سكان غزة لأنهم لم يسقطوا حماس، ولم يفضوا الى تحرير غلعاد شليت، ولأنهم ما زالوا يطلقون علينا الصواريخ من أرضهم برغم الانفصال. لحماس عناية واضحة بالوضع الذي يمكنها من أن تجمع المال والسلطة؛ وتريد مصر فقط الخلاص من الأزمة التي اسمها غزة وأن تمنع هرب مئات آلاف الغزيين الى أرضها؛ ووجدت تركيا هدفا يمكن أن تجمع حوله وأن تقود العالم الاسلامي؛ ومنظمات السلام، ومنظمات الأرهاب، والسماسرة، والقوادون، كلهم ينمو فوق ظهور البؤساء في غزة. لا حد للهزء. في رسالة الى مراسلين أجانب في مساء الاستيلاء على الاسطول الى غزة، اقترح مدير مكتب الصحافة الحكومي داني سيمان قائمة مطاعم ووجبات دسمة من أجل اولئك الذين يغطون "الأزمة الانسانية" في غزة. كذلك صور الخس الطازج والقدر الموفور من الخضروات في السوق، التي تنشرها اسرائيل لتبين أنه لا عوز، تلعب غير اخلاقي. فالحديث عن غذاء يهرب في الأنفاق ويباع بأسعار لا يستطيع أكثر الغزيين أن يسمحوا بها لأنفسهم. أهكذا يسلك شعب لاجئين ومطاردين يرمي الى أن يكون نورا للأغيار؟ لقد أصبحنا شعبا منتقما حقودا لا يرى بؤس جيرانه بعد أن غسلوا أدمغة مدة سنين وعلمونا أن ألم الجانب الثاني لا يشبه ألمنا، وأن حزن أم عربية لموت ابنها ليس عميقا كحزن أم يهودية. وبعد كل ذلك، نشعر بالاهانة للانتقاد ولا نفهم لماذا لا يمتدح العالم الجيش الاسرائيلي لأنه أرسل جنود كوماندو للاستيلاء على "مرمرة" مع بنادق اصباغ. أترون؟ إن العالم كله في الحقيقة ضدنا.