خبر : سفينة محاصرة ودولة محاصرة/بقلم: ناحوم برنيع وشمعون شيفر/يديعوت 4/6/2010

الجمعة 04 يونيو 2010 12:34 م / بتوقيت القدس +2GMT
سفينة محاصرة ودولة محاصرة/بقلم: ناحوم برنيع وشمعون شيفر/يديعوت 4/6/2010



 تحدثت حكومة تركيا هذا الاسبوع الى حكومة اسرائيل بلغة التهديد. فبين يوم الاثنين، وهو يوم العملية الى يوم الاربعاء صباحا أرسل الى اسرائيل ثلاث صيغ انذار. رفضت الاثنتان الاولييان. وخضعت للثالثة الحكومة، أو لمزيد الدقة قيادتها – نتنياهو وباراك وليبرمان. حاول الثلاثة اللعب على الوقت. فقد احتاجوا الى بضعة ايام ان لم يكن لاكثر، للتمكين من تحقيق كامل مع اعضاء المجموعة الاسلامية المتطرفة "اي اتش اتش" الذين جابهوا محاربي الكوماندو البحري على متن سفينة "مرمرة"، وهي الكبرى بين السفن الست في الاسطول. كانت اسرائيل معنية كثيرا بأن تحصل من اعضاء المجموعة على اعتراف مفصلة وأن تعرضها على العالم أجمع. كان الهدف البرهان على أن القتلى التسعة لم يكونوا نشطاء سلام بل مخربين مدربين وقتلة مأجورين، او ربما عملاء للقاعدة، وأن تضعف بذلك الحملة الدعائية على اسرائيل. لكن الاتراك أصروا. ورفضت كل دعوة وفيها الدعاوى الطبية. "نحن نرسل طائرتين"، أبلغت حكومة اردوغان. "اما أن تحملوا عليهما حتى الحادية عشرة صباحا جميع مواطني تركيا واما ان تتحملوا النتائج". لم يقل الاتراك ماذا ستكون النتائج. فقد تركوا هذه التفصيلات لذكاء الوزراء الثلاثة. اتخذ قرار الخضوع في ليل يوم الثلاثاء بعد بضع ساعات من عودة نتنياهو من زيارته المقطوعة الى أمريكا الشمالية، وأجيز في المجلس الوزاري المصغر. كان الثلاثة قلقين جدا من التهديات التركية – التي انضاف اليها ضغط امريكي واوروبي – بحيث لم يكونوا مستعدين للاصغاء لمزاعم مستشاريهم الذين اقترحوا الانتظار. كان أحدهم المستشار القانوني للحكومة، يهودا فينشتاين. قال ان لاسرائيل كل التسويغ القانوني لأن تستمر على احتجاز المعتقلين. وقال لنا مسؤول رفيع آخر من وزارة الخارجية من الغد: "مع كل الاحترام للكرامة التركية، ماذا عن كرامتنا؟ عندما نخضع لهذا الاملاء، لن توجد بعد للدولة خطوط حمراء". اعتقد الوزراء الثلاثة أن لا مندوحة، وأن الحديث عن مصلحة قومية حيوية: "كان يجب علينا أن نبرد الوضع"، قال لنا أحدهم.  وقع القرار على قيادة الجيش الاسرائيلي كالرعد في يوم صاف. فبعد انقضاء السيطرة على السفن من الفور جند فريق محققي وحدة عسكرية خاصة للتحقيق مع المعتقلين. وثقت التحقيقات بأفلام، صدورا عن اعتقاد أنها ستستعمل استعمالا قانونيا ودعائيا. قطع قرار اطلاق الجميع من الفور التحقيق في الوسط. يشك في ان يكون استنفد، ويشكل في ان يكون له قيمة كبيرة بعد تحليل مضمونه. عضوا في الجيش الاسرائيلي على الشفاه واطاعوا الامر. عز أحد الجنرالات نفسه بأنه حتى لو استمر التحقيق لما كان يوجد ما يكفي من الأدلة لمحاكمة المحتجزين. "ستكون ورطة سياسية، ويبرأون ونأكل نحن الحمص"، قال. ثبت عند العالم في هذه الاثناء صورة صعبة لدولة قرصنة، لا تحجم عن قتل نشطاء سلام وتجويع سكان مدنيين. شكى رئيس الحكومة من نفاق العالم، لكن صرامة الخطبة لم تضائل حجم السقوط السياسي. تبين لاسرائيل التي أرادت ان تعزل حماس انها معزولة مبعدة تكاد تكون برصاء. رفضت اسرائيل في  الماضي بحزم كل تحقيق دولي لاجرائتها العسكرية. وستضطر الان الى التسليم لاقامة لجنة تحقيق دولية. ستسير قيادتها في الفترة القريبة فوق جسر ضيق بين الخضوع بالرغم لاملاءات أجنبية الى الرحمة بالذات في الداخل. الاسئلة التي سأل كل اسرائيلي نفسه هذا الاسبوع سؤالان: أكان من الصحيح وقف الاسطول بالقوة، وهل تم ذلك بالطريقة الصحيحة. سيستجلى هذان السؤالان فيما يأتي.  أحدثت الاضرار في العالم مع الصور الصعبة من الحادثة انطباع أنه كان ها هنا اخفاق عسكري. في الجيش الاسرائيلي يرفضون هذا الانطباع باليدين جميعا. يلخص ضابط من الجيش الاسرائيلي كان مشاركا في العملية مشاركة عميقة الامر قائلا:  كانت السياسة اقامة الحصار على غزة وقد حققت؛ وكانت المهمة الاتيان بالسفن الستة الى اسدود وقد أتي بها. لا يوجد ثكلى من قواتنا. صحيح انهم لم يتوقعوا في الجيش الاسرائيلي مقاومة كهذه ولم يكن القتلى التسعة في الخطة. كان ذلك من وجهة نظر الجيش الاسرائيلي نجاحا مؤلما. لكن الثمن السياسي كان أعلى بأضعاف كثيرة  مما قدروا سلفا. نجح العملية الجراحية ومات المريض. خفق أجنحة التاريخ بدأ تعقب الاسطول في شباط. كان الاسطول السابع الذي اراد الخروج الى غزة: حظيت عملية احباطه باسم "رياح السماء 7". أعد قائد سلاح البحرية، اللواء اليعيزر (تشيني) مروم، قائد العملية تدبيرا عسكريا منظما قسم الى محاور: محور قضائي ومحور دبلوماسي ومحور استخباري ومحور تنفيذي ومحور تقني ومحور ذهني. واقيم الى جانب غرفة عمليات سلاح البحرية غرفة عمليات أخرى اسمها "غرفة عمليات تفيل" متجهة الى الخارج، بمشاركة مندوبين عن وزارة الخارجية. كان عند المخططين وقت موفور، وارادة خيرة من جميع الجهات وطموح الى الكمال. وأعد العقيد ش، قائد الوحدة البحرية، وهو ضابط ممتاز، رجاله. كان اللواء مروم مشاركا في كل تفصيل. وكلما اقترب الاجل وسع وعمق مشاركته. كان يستطيع في صبيحة العملية أن يمكث كالعادة في غرفة العكمليات في تل أبيب، لكنه فضل ان يقف الى جانب العقيد ش في سفينة لسلاح البحرية أبحرت على مبعدة 20 الى 30 مترا من السفينة التركية. وعندما اطلقت النار على السفينة أطلقت شيني النار من سلاحه في الجو.  وكانت المحور الدبلوماسي يرمي الى ان يمنع بطرق سلمية خروج الاسطول في طريقه. جند لهذا الجهد قيادة وزارة الخارجية، ووزير الدفاع وقيادة الجيش الاسرائيلي. تحدث باراك وعاد وتحدث الى وزير خارجية تركيا احمد دبوتوغلو، والى وزيري خارجية قبرص وايرلندا. طلب اليهما العمل في منع الخروج. وتحدث نائب وزير الخارجية داني ايالون مرات الى سفير تركيا في واشنطن، وتحدث المدير العام يوسي غال الى نظيره التركي، وفي ضمن ذلك مكالمات هاتفية أجراها في يوم الاثنين في الرابعة صباحا قبل غارة الجيش الاسرائيلي بنصف ساعة. هاتف رئيس الاركان غابي اشكنازي رئيس الاركان التركي. ثم عاد وتحدث اليه بعد الاستيلاء على السفينة ايضا. واستدعى اللواء مروم اليه الملحقين العسكريين لتركيا واليونان وهما الدولتان اللتان خرجت السفن منهما. ارسل اشكنازي رسالة الى رئيس الاركان التركي، وارسل مروم في موازاة ذلك رسالة الى قائد سلاح البحرية. كانت جميع الاجوبة من تركيا متشابهة. نحن نأسف جدا لكن لا سيطرة عندنا على منظمي  الاسطول. وزارد احد الاتراك قائلا كنا نفرح جدا لو توجهت السفن الى العريش او الى اسدود لكن هذا ليس في أيدينا. آمن الاسرائيليون بأن نظراءهم الاتراك يأسفون. وصعب عليهم أن يؤمنوا بأنه لا سيطرة لهم. اشتموا وراء الخجل التركي رائحة القائد اردوغان. تحدث باراك الى وزير الاستخبارات المصري عمر سليمان. اقترح المصريون حط حمولة السفن في العريش ونقل المدد الانساني الى غزة، ورفض منظمو الاسطول. كانت قبرص دولة اخرى تعاونت. فقد أجمع رأي حكومة قبرص منذ زمن على عدم المشاركة في رحلات احتجاج بحرية الى غزة. أصدر الرئيس أمرا يحظر خروج سفن من قبرص على هذه الغاية. وأدخلت سفينة واحدة وكانت السابعة، وكان يفترض ان تشارك في الرحلة، ميناء ليمسول من اجل اصلاح عطل، ومنعها القبارصة الخروج. وأعدت في المحور القضائي وثائق تسوغ عملية عسكرية اسرائيلية خارج المياه الاقليمية. يفرض الحصار الاسرائيلي على غزة بأمر من وزير الدفاع. وهو يبلغ بعد عشرين ميلا بحريا، أي نحوا من 37 كيلومتر عن الشاطىء. على حسب القانون الدولي يحل وقف قطعة بحرية بالقوة، بحسب القانون، اذا كانت تقصد دخول المجال المحظور. ان عدد السفن الكبير وتفريقها أبعد نقطة المواجهة عميقا في عرض البحر. وفي النهاية حسم الموقع الدقيق – على مبعدة نحو من 65 كيلومتر من شواطىء البلاد – قرار ش، قائد الوحدة البحرية على الاغارة في الهزيع الاخر، مع بزوغ الفجر. كان هذا التوقيت هو الاسهل من جهة عسكرية.  سلح المحاربون بسلاح لتفريق المظاهرات. جرت على كل وسيلة اختيرت موافقة مقر القيادة والمستشار القانوني للحكومة. ما الذي علمته المخابرات جرى في المحور الاستخباري تعقب السفن والركاب. كانت مشاركة الـ أي اتش اتش، وهي منظمة تركية اسلامية متطرفة لها صلة بالقاعدة بحسب تقرير عن وكالة الاستخبارات المركزية، كانت معلومة لاجهزة الاستخبارات. وعلمت ايضا ان المنظمة تؤيد اردوغان سياسيا. ولم تعلم، وليست على ثقة الان ايضا، أن أناس المنظمة أجروا تدريبات عسكرية قبيل الرحلة. أخذوا في حسابهم امكان أن تكون المواجهة معهم عنيفة مثل المظاهرات الاسبوعية في بلعين بسبب جدار الفصل. ولم يظنوا ان يحاولوا قتل محاربين. في تحقيقات تمت بعد الاستيلاء على السفينة تبين أن عميلا من منظمة أي اتش اتش ارسل الى المدينة الساحلية التركية بودروم لتجنيد مرتزقة. وجند في جيوب بعض القتلى مبالغ كبيرة جدا من المال النقد. كان فرض المحققين الاول انهم قصدوا الى تهريب المال الى غزة. والتقدير المقبول الان هو ان المال دفع اليهم أجرا. فقد وجد في جيوبهم لا في مصرف لانه لم يسلم اليهم الا بعد ان تحقق أناس المنظمة من أنهم صعدوا السفينة. على حسب تقارير المحققين، وجد في غرف "مرمرة"، وهي السفينة الكبرى مبالغ مال نقد بلغت مليون يورو. وتبين سوى السكاكين والفؤوس وقضب الحديد على السفينة 100 درع. حشدت الأسلحة الباردة في أربعة مواضع فوق سطح السفينة، افترض أناس المنظمةة ان محاولة الاستيلاء ستتم قربها. إن الخلل الاستخباري هو احد الموضوعات المركزية التي ستحققها تحقيقات الجيش الاسرائيلي. لا يتأثرون كثيرا في الجيش الاسرائيلي من نقص المعلومات الاستخبارية: ففي أوقات نادرة فقط يزود محاربون يخرجون بعملية في معلومات كاملة. لكن الضرر غير المباشر كبير. لو كان يمكن مساء المواجهة البرهان على أنه يختفي داخل غلف نشطاء السلام والساسة من مشايعي حماس نواة عملاء ارهاب، لتغيرت التوقعات في العالم، ولربما كان سير المعركة ونتائجها قد تغيرا. علم في نطاق التعقب الاستخباري كم من الاشخاص صعدوا في كل سفينة (علمت أسماء الركاب فقط زمن الاستيلاء) وتم تحديد اسم مالك "مرمرة". بعد ذلك، في التحقيق مع المعتقلين، ثار امكان ان يكون المالك الحقيقي للسفينة شخصا معروفا جدا في تركيا. لم يستنفد التحقيق. اراد رئيس الاركان ان ينتهي التحقيق في سلاح البحرية حتى نهاية هذا الاسبوع، لكن اللواء مروم أقنعه بأن هذه مدة قصيرة جدا لتحقيق جدي. سينتهي التحقيق في غضون أسابيع. كان المحور التالي هو التقني او اللوجستي: وهو ماذا يفعل بالناس بعد ان يستولي محابو الوحدة البحرية على السفن. نشأ جدل في الفريق، هل يمكن ان يقود السفن قوة شرطة. لم تكن القوة ترمي الى الحلول محل محاربي الوحدة البحرية – فالسيطرة على سفينة هي عملهم الوحيد – بل أن يعملوا بعد ذلك في نطاق ما سمي "الموجة الثانية". بت اللواء مروم الامر بالموافقة، وتبين آنذاك ان الشرطة غير معنية. لم يتنازل الجيش الاسرائيلي: فقد استدعيت للخدمة وحدة متسادا من مصلحة السجون. وفي النهاية خرج للبحر ايضا أناس متسادا وأفراد وحدة الشرطة الخاصة. وقد عملوا في السفن كالمخطط له. أعد موقع استيعاب في اسدود، عمل على نحو جيد كما يقول الجيش الاسرائيلي. اقترح شخص من ديوان رئيس الحكومة كان مشاركا في الاعداد القيام بالتحقيق فوق السفن وأن تعاد بعد ذلك الى مياه تركية الاقليمية. رفض الاقتراح رفضا باتا، بسبب صعوبة اجراء التحقيق فوق الماء وبسبب الخوف من أن تحاول السفن بعد اطلاقها العودة الى خرق الحصار. وكان المحور الاخير ذهنيا. فقد جند سلاح البحرية مستشاري تنظيم عملوا مع المحاربين في الاعداد لسيناريوات ممكنة. ودربوهم على عدم الرد على البصاق والشتائم. وألا تستعمل النيران الحية الا اذا تعرضت الحياة للخطر. "كان الاستعداد جيدا"، يقول ضابط كبير. ألم يكن جيدا جدا، سئل. ألم تجعل المحاربين شرطيين. وأجاب "لست أظن ذلك". إن تأملا أدق لتفصيلات المواجهة يدل على أنه على حق، بادي الرأي. الوزراء قالوا آمين في كل حكومة اسرائيلية، عندما يوحد رئيس الحكومة ووزير الدفاع قواهما ويؤيدان اجراء عسكريا على نحو حازم تكون أكثريتهما مضمونة. لا فرق كبيرا لكيفية تسمية الجهة التي تجيز. عندما خرجت حكومة اولمرت لحرب لبنان في 2006، كان الزعم أن الاثنين القائدين غير خبيرين بما يكفي بالعمليات العسكرية. قاد العملية هذه المرة أكثر الاشخاص خبرة: نتنياهو، الذي يتولى رئاسة الحكومة مرة ثانية، وباراك الذي يتولى وزارة الدفاع للولاية الثالثة. لا يكاد نتنياهو يجمع المجلس الوزاري المصغر. فهو يفضل بحث الموضوعات الأمنية في منتدى الوزراء السبعة. لا يوجد لهذا المنتدى مكانة في القانون. ولا يوجد في تصويت. عندما أجرت السباعية نقاشا للعملية، في يوم الاربعاء الماضي، قال رئيس الاركان اشكنازي: يوجد امكانان فقط – اما تمكين الاسطول من المرور الى غزة واما وقفه بالقوة. وقد رفض البديل الأول لكنه حذر من أن البديل الثاني مصحوب بالعنف وربما تسفك دماء.  اقترح أحد الوزراء تمكين الاسطول من المرور بشرط ان توافق حماس على أن يلتقي أناس الصليب الأحمر جلعاد شليت. كان هذا الاقتراح من مجال الدعاية لا من مجال التنفيذ لانهم جميعا وفيهم المقترح علموا يقينا ان حماس سترفض الاقتراح. اراد المقترح في الحصيلة العامة كسب نقطة او اثنتين عند الرأي العام في اسرائيل. وسقط الاقتراح كما اثير. سلك نتنياهو سلوك سلفه اولمرت في فترة "الرصاص المصبوب": فقد حرص على أن يسأل كل وزير على حدة هل يؤيد العملية. ووافق الوزراء واحدا واحدا. بعد الاستيلاء فقط، عندما تبين ان العملية تجبي ثمنا سياسيا باهظا، شكى الوزير بوغي يعلون،  القائم بأعمال رئيس الحكومة، من أنهم لم يشركوه في التفصيلات، ولم يستغلوا خبرته اذ كان رئيس الاركان. وقد فسر ذلك على أنه حكمة بعد الفعل، واستعداد لمحاضر جلسات لجنة تحقيق في المستقبل. في أول سني ولاية الحكومة أكثر الوزراء الكبار من مدح نقاشات السباعية، وسعة الحضور، وعمق المباحثة، والصراحة والاعتدال. كانت الرفقة مؤثرة في النفس. والجو ممتاز أما الناتج فأقل من ذلك. عندما جلس وزراء السباعية لبحث العملية البحرية، خصص جل وقتهم لبحث عقيم لقضية الدعاية. قوارب وعشاء فرضت حكومة شارون الحصار على غزة لاول مرة في فترة ما قبل حماس ووسعته حكومة اولمرت. واستمرت عليه حكومة نتنياهو من غير أن تجري نقاشا لمحاسنه وعيوبه، وتأثيراته في الوضع في غزة والثمن الذي يجبيه من صورة اسرائيل في العالم. اعتمادا على تلك المادة الاستخبارية، يوجد وزراء على ثقة من أن الحصار، مع السور الحديدي الذي ينشئه المصريون على طول الحدود في رفح، يضعف حكومة حماس ويضائل شعبيتها؛ إنه حيوي. وثم وزراء على ثقة من أن الحصار كان وما يزال عملا أحمق، ضرره كبير وجدواه صفر. فهو لن يسقط حماس ولن يعيد جلعاد شليت الى البيت. وإنما يديمه هو الخوف من الظهور عند الجمهور في مظهر الخضوع لمنظمة ارهابية. يؤيد نتنياهو وباراك الحصار. مع ذلك تضطرهما اضرار هذا الاسبوع الى التفكير من جديد. يقول ايهود باراك: "ليس الحصار أمرا مقدسا". عارض باراك لكونه وزير دفاع في حكومة اولمرت تمكين السفن من الوصول الى غزة على الدوام. وقد بحث عن وسائل لمنع خروجها من الموانىء في اليونان وقبرص. وعندما نجحت في الابحار أراد وقفها بالقوة، واستحث رئيس الموساد مئير دغان، وعقد مباحثات وضغط على اولمرت.  يختلف الاسطور الحالي عما سبقه من أساطيل بجوهره: فحجمه مختلف والركاب مختلفون والحمولة مختلفة. توجد ها هنا بداية حملة دعاية عالمية، تعتمد من جهة على منظمات حقوق انسان ومن جهة ثانية على المحور الذي أخذ ينشأ بين ايران وتركيا. هذا التحالف الذي يسعى في تقويض شرعية دولة اسرائيل، لن يردعه عملية استيلاء محاربي الوحدة البحرية. فالحديث عن تحول تاريخي. تنبأ المستشرق برنارد لويس، كبير الباحثين في شؤون تركيا في المدة الاخيرة على مسمع نائب الوزير ايالون قائلا: "ستكون تركيا في غضون 20 سنة ايران، وستكون ايران تركيا". في هذه الاثناء يريد جميع حلفاء تركيا القدماء المصالحة والتسكين واعادة اردوغان باللطف الى الصراط المستقيم. تلقت وزارة الخارجية امرا من المستوى السياسي هو انه ينبغي العض على الشفاه. وألا تصدر أي كلمة ضد اردوغان. وبين البيت الابيض لاسرائيل أنها تعرض للخطر مصالح أمنية امريكية بقتلها الاتراك. وبغير وجود القاعدة الامريكية في انجيلريك يصعب على طائرات امريكية ان تهاجم في افغانستان. جابهت اسرائيل في الماضي منظمات ارهابية تمتعت برعاية دول معادية مثل المانيا الشرقية وليبيا وايران واوغندا وغيرها. لكن مجابهة منظمة ارهابية فلسطينية تمتع برعاية دولة صديق، عضو في حلف شمالي الاطلسي، وشريكة حميمة لجهاز الأمن الاسرائيلي، هي تجربة جديدة وتحد كبير. احتلال الجسر نشرت في الساعات التي تلت عملية الاستيلاء أمور ثبتت ما يتعلق بالعملية في  الوعي. مثل المدة التي احتاجها المحاربون لسل مسدساتهم من طراز "غلوك" واطلاق النار: فقد تحدثت النشرة الاولى عن 40 دقيقة. وكان الانطباع غير الممتنع ان الحديث عن جماعة من الجبناء جبنوا في مواجهة مهاجميهم. لم يجلس القادة حتى الان مع ساعة توقيت ليستعيدوا الوقت مدققين في الثواني. سيبلغون ذلك في الأيام القريبة. عندهم تقدير تقريبي اليوم. الوقت الذي مر منذ هبوط أول محارب بالحبل الى سطح السفينة الى أول طلقة من مسدسه كان ما بين ثلاثين ثانية الى دقيقة ونصف، وهذا انطباع يختلف تماما عما يبدو من تصوير أربعين دقيقة. في قنوات التلفاز الاسرائيلية بث شريط فيه أمران صدرا عن ش، قائد الوحدة البحرية بصوته قبل القاء قنابل تخويف واطلاق النار بعد ذلك. بخلاف الانطباع الذي نشأ لم توجه الاوامر الى المحاربين الذين كانوا قد أصبحوا على متن السفينة وأطلقوا النار بل الى ما بقي من القوة التي كانت توشك أن تعلو السفينة. طور التكتيك الذي استعمل في السيطرة على السفينة بعد قضية السفينة "أكيلا لاورو" ، في تشرين الاول 1985. فقد سيطر أربعة مخربين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني على السفينة التي كانت في طريقها من الاسكندرية الى بورسعيد، وقتلوا راكبا يهوديا معوقا اسمه ليئون كلينغهوفر، وأصبح سائر الركاب رهائن. بعد القضية استدعيت القوات الخاصة الامريكية والجيش الاسرائيلي للتعاون على تطوير اجراء مشترك للسيطرة على سفينة متحركة. أتى الاسرائيليون الشراكة بتقنيتهم لفتح متن السفينة – وهي طريقة ينصبون بها حبالا ويتسلقون سريعا متن السفينة؛ وأتى الامريكيون بطريقة لانزال سريع للمحاربين من مروحية وهو ما سمي بالانجليزية "فاست روب" (حبل سريع)، واحتلال للجسر من الفور. عملت الطريقة في صيغ شتى في عدد من العمليات اللامعة للوحدة البحرية، بينها الاستيلاء على سفينة السلاح "كايرن ايه" في البحر الاحمر. في الاسابيع التي سبقت الاستيلاء على "مرمرة" أجريت تدريبات في عرض البحر، على نموذج لكن بغير اطلاق نار حية. بيد ان التحدي الذي نصبته "مرمرة" كان يختلف عن التحديات التي تدرب الكوماندو عليها في الماضي. فلم يعد الحديث هنا عن سفينة فيها فريق صغير من الملاحين من كولومبيا او تايلندا غير مسلحين، أكثرهم سكارى او غارقون في نوم او عن قلة قليلة من المخربين. كان في السفينة 600 راكب معاد، بعضهم مستعد للمعركة. وجوهر الأمر أن مزية المباغتة لم توجد. وقد قضي على المحاربين بغيرها أن يبدأوا المواجهة وهم في وضع أدنى. القفز الى الماء أنزلت المروحية الاولى حبلين الى ظهر السفينة. ربط احد الاتراك الحبل بهوائي. وكما يبين ضابط رفيع المستوى من الجيش الاسرائيلي، لم يكن ذلك تدبيرا احتاج الى خبرة خاصة ولم يعرض المروحية للخطر. فقد استل خبير التقنية المحمول جوا أداة وحرر الحبل، وهو ما كان يفترض ان يفعله على أية حال مع انهاء الانزال. بعد ابطال عمل واحد من الحبلين تباطأ قليلا انزال المحاربين. مرت خمس دقائق اوست في الاكثر حتى انصرفت المروحية الاولى وأنزلت مروحية ثانية المحاربين فوق ظهر السفينة. روى احد المحاربين لرئيس الاركان أنه رأى في الثواني التي نزل فيها على الحبل أنهم يضربون احد رفاقه ويختطفون آخر، وأن شخصا من المجموعة التركية يمسك في يده مسدسا ويطلق النار به. اصابت الرصاصة درعه الواقية وعندما سدد المطلق المسدس الى محارب آخر اطلق المحارب النار على رأسه وقتله. يقول الجيش الاسرائيلي ان أناس المجموعة التركية كانوا مزودين بأقنعة غاز ودروع واقية. وعندما رموا عليهم قنابل تخويف ردوا مثل جنود مدربين، لم يحجموا ولم يرجعوا. في هذه اللحظة أخذ الوضع يستقر على ظهر السفينة. قتل خمسة من أناس المجموعة التركية. ورمي أحد محاربي الوحدة البحرية من ظهر السفينة الأعلى الى اسفل. واحتجز الخاطفون اثنين. وفي حين كان الخاطفون يتجادلون فيما يفعلون بهم – والحديث عن زمن قصير جدا – قفزوا الى الماء وانتشلتهم سفن سلاح البحرية. بعد نحو من أربع دقائق تحاجزت القوات. شق المحاربون طريقهم بالقوة ونزلوا الى الجسر. في تلك الاثناء طرح رفاقهم سلالم وتسلقوا من الماء الى السفينة. أطلق الاتراك النار بالمسدسين اللذين استولوا عليهما ورموا محاربي الوحدة البحرية بقنابل تخويف وجدوها في احدى الدروع. والسؤال مفتوح للنقاش – هل كان عندهم سلاح يخصهم. تبين في التفتيش في السفينة بعد الاستيلاء عليها رشاشات لكن لم توجد قطع سلاح. يقول احد القادة انه حدث اطلاق نار من السفينة على سفن سلاح البحرية قرب الاستيلاء. وقال قائد آخر انه ليس على ثقة من ذلك. يقول ربان السفينة في التحقيق معه، على حسب مصدر من الجيش  الاسرائيلي، انه كانت على السفينة أسلحة لكن الركاب رموها في البحر . هل كانا المسدسين اللذين اختطفا من المحاربين؟ لا. يقول الضابط الكبير لا يعوزنا نحن السلاح. إن ما اختطف جمع. بعد مرحلة اقرار الوضع من الفور تقدم محارب الكوماندو لعلاج جراحهم. وفي المرحلة التي تلت ذلك عالجوا الجرحى من بين الركاب. كان عند الجانب الثاني نحو من ثلاثين جريحا. علاجهم المباشر، واشتمل على نقلهم بالطائرات الى مشاف في اسرائيل، أنقذ حياتهم – وساعد الدعاية الاسرائيلية شيئا ما. كان جميع القتلى والجرحى رجالا شبانا. يقول الجيش الاسرائيلي انهم شاركوا جميعا في الشغب على نحو من الانحاء. وقع على السفن الاخرى ايضا صراع عنيف  لكنه كان أكثر انضباطا. وانتهى الاستيلاء بغير مصابين. لا يوجد جيمس بوند أنشأ انهاء العملية قصتين، وروايتين تتناقضان في ظاهر الامر. احداهما هي قصة المحاربين الشبان من ابنائنا الذين وجدوا أنفسهم في مفاجأة كاملة، في مواجهة مخربين متعطشين للدماء دبروا للتنكيل بهم. والاخرى قصة جيش قوي، ذي تصميم، وقوة كبيرة، يحتمل مهمة وينفذها على نحو تام، بغير قتلى من قواتنا وبغير مس بأبرياء. أتت القصة الاولى لتخدم الحاجة الاسرائيلية الى أن تكون الضحية. فنحن داود وهم جالوت. وترمي القصية الثانية الى خدمة الحاجة الاسرائيلية الى أن نكون دائما الجانب المنتصر. توجد حقيقة في القصتين لكنها مبالغ فيها وملفوفة بأهواء النفس. فالافلام التي صورتها أفرقة متحدث الجيش الاسرائيلي كشفت عن شيء من المجابهة العنيفة التي حصلت فوق ظهر السفينة الاعلى. رأى رئيس الاركان، الذي طلب اليه ان يجيز بث الافلام، الافلام وحار. فهي تبرهن من جهة على أنه ليس الحديث عن مدنيين طالبين للسلام بل عن مناكفين عنفاء. وهذا جيد للدعاية. ومن جهة ثانية ليس من اللذيذ ان ترى محاربا اسرائيليا يرمى به الى اسفل مثل كيس بطاطا. وفي النهاية أجاز بث جميع الافلام فبثت. لم تجد الافلام التي بثت اعجابا عند جزء على الأقل من المحاربين. فسريتهم حسنة عندهم. وليس من الحسن أن ينكشفوا على هذا النحو لابناء عائلاتهم وللجمهور. نظر كثير من الاسرائيليين باستهجان شديد الى ما فسروه بأنه اذلال. لكن القادة لم يشاهدوا ذلك كثيرا ففي الحرب كما في ا لحرب: ليست المشاهد مثيرة للاعجاب دائما لكن هذا هو الموجود. لو اطلقوا النار على محارب وقتلوه أفكان ذلك أقل اذلالا؟ خطبة الضحية قال ايهود باراك في جهد لاقناع الاجانب بعدل العملية، قال لزميل أمريكي: "تخيل أن كوبا كاسترو نظمت اسطولا كهذا، من نشطاء سلام في ظاهر الامر نحو شواطىء فلوريدا". وقال رئيس الاركان اشكنازي كلاما مشابها لرئيس مقار القيادة المشتركة الادميرال مالن. أصغى اليهما سامعوهما بتشجيع. بيد ان كوبا لا تنوي ارسال سفن  احتجاج الى فلوريدا، والمنظمات الاسلامية لا تنوي الابحار الى غوانتانمو. فالمشبه يرفض مطابقة المشبه به. والى ذلك كان احد القتلى بحسب أحد الانباء مواطنا أمريكيا. لا تستطيع أمريكا ان تحب ذلك ولا تستطيع ان  تشارك اسرائيل صرخة الضحية.  هذا الصداع هو صداعنا فقط. يمكن ان يكون الرد في العالم على قضية الاسطول دعوة الى ايقاظ اولئك الاسرائيليين الذين عاشوا في وهم ان وضعنا لم يكن أفضل قط. هذا ما سمعناه من وزير خارجيتهم وهذا ما استوعبوه من النشوة التي بثتها الحكومة حتى المدة الاخيرة. العملية الاسرائيلية لا تقلق الادارة الامريكية الا في الحاشية. فما يقلق الادارة حقا في هذا السياق هو الحصار على غزة. فالادارة الحالية تراه عقابا جمعيا، ومسا بسكان مدنيين وهو في الأساس مس بالجهد الامريكي لأسر القلوب في العالم الاسلامي. اقتنع الرئيس اوباما بأن المشكلة الاكثر الحاحا للسياسة الخارجية الامريكية ليست الصين ولا روسيا ولا نظم الحكم المعادية لامريكا في امريكا اللاتينية، بل النظرة الى امريكا في العالم العربي والاسلامي. فهو على ثقة من انه وجد جذر المشكلة وهو الصراع غير  المحلول بين اسرائيل والفلسطينيين. من شبه المحقق انه مخطىء فهم لا يكرهون امريكا في العالم العربي بسبب حلفها مع اسرائيل فقط. انه مخطىء لكنه رئيس الولايات المتحدة. والنتيجة، بالاقتباس من كلام قاله رئيس الموساد مئير دغان هذا الاسبوع، ان امريكا اخذت ترى اسرائيل عبئا لا ذخرا. قد يكون أمامنا تحول تاريخي: فقد نجحت اسرائيل طول السنين في أن تسم وعي الامريكيين بتصميمها على عدم الاعتماد على جنود امريكيين بل على ان تهتم بأمنها بيديها. اسرائيل هي حصن أمريكا في المنطقة. لهذا تستحق المساعدة فالسلاح الذي تحصل عليه تكسبه بحق. اعتقد كلينتون وبوش أنه لا يهم ما تفعله اسرائيل في حادثة ما – لان مكانها محفوظ لها الى الابد في معسكر الاخيار. اما اوباما فيشعر شعورا مختلفا. كل حادثة يحكم عليها على حدة. والأوامر التي تلقاها السفير الامريكي في اسرائيل هذا الاسبوع، بعد حادثة "مرمرة" كانت واضحة: اذا استطاعت اسرائيل ان تبرهن على أنه وجد فوق السفينة مخربون لا نشطاء سلام فلتبرهن من الفور. واذا لم تستطع ان تبرهن فستضطر الى احتمال اللطم. في لقاء كان بين الرئيس اوباما ومشرعين يهود قبل عشرة أيام، قال لهم كلاما شديدا في سياسة حكومة اسرائيل. قال بحسب ما سجل أحد المشاركين: "أنا مشايع لاسرائيل لكن ذلك لا يعني أنني شريك في تصور حركة شاس". ان نتنياهو ايضا لا يشارك شاس تصورها (أي تصور؟). لكن أحداث هذا الاسبوع وضعت علامة سؤال عند اسرائيليين كثير لكن في العالم في الاساس، عن قدرته وقدرة حكومته على اتخاذ القرارات الصحيحة في موضوعات اكثر حرجا من وقف سفن متجهة الى غزة. القرارات المتعلقة بايران قريبة. كل قرار يتفق عليه نتنياهو وباراك سيجوز على نحو آلي في السباعية وفي المجلس الوزاري المصغر. المسؤولية كلها على كاهليهما. أيعلمان تقدير الأثمان سلفا، والاخطار والعوض؟ أعندهما بديل؟ أو بعبارة أخرى، "مرمرة" أم لا "مرمرة"، هل يوجد من يعتمد عليه هنا.