كل شيء معلوم في الحقيقة. فمن جهة رحلة بحرية لاحتجاج دولي بقيادة تركية مشبعة بكراهية اسرائيل خرجت الى شواطىء غزة، مع اعلان سلفا بأنها تنوي خرق الحصار البحري الذي فرضته اسرائيل على دولة حماس في غزة. تلك المنظمة التي ما زالت تحتجز الجندي المختطف جلعاد شليت، وتلتزم القضاء على اسرائيل، وتحاول ان ترسل اليها مرة بعد اخرى خلايا قتل وصواريخ. ومن جهة ثانية استقر رأي اسرائيل، وبحق مطلق على منع دخول الأسطول غزة وأن تقفه في المياه الدولية – كما يسمح القانون الدولي مع من يقترب من شواطىء مع قصد واضح الى القيام بغزو معاد. ومن جهة ثالثة، اختلت العملية من جهة التنفيذ، لان الجيش الاسرائيلي لم يأخذ في حسابه أن ينقض المشاركون في رحلة الاحتجاج على محاربي الوحدة البحرية الذين أتوا لوقفهم. عندما تعرض المحاربون للخطر، أطلقوا النار لقتل المنقضين للتنكيل بهم. الى هنا كل شيء معلوم ولا سبب يدعو الى اقامة لجنة تحقيق. حسبنا تحقيق الجيش الاسرائيلي للتيقن من الحقائق. والان كل شيء متعلق بنظر المتأمل: فاذا كان المتأمل يرى حماس منظمة قتل وابادة من كل جهة، وأن من المهم جدا اسقاطها سريعا قدر المستطاع (لكن بغير نقل سلطتها في غزة الى أبي مازن)؛ واذا كان المتأمل يعتقد أنه لم يكن يحل تمكين أحد من كسر الحصار على قطاع غزة (لان الدخول الحر في غزة اليوم وفي المستقبل يعني ادخال الصواريخ والقنابل وخبراء الارهاب لسلطة حماس تلك التي تلتزم القضاء على دولة اسرائيل)؛ واذا كان أحد يدرك ان جنود الجيش الاسرائيلي كان يجب عليهم ان يستعملوا السلاح الحي ليصدوا عنهم التنكيل بهم، لانه لم يكن لهم خيار اخر في الظروف التي نشأت – فمن الواضح ان متأملا كهذا لن يؤثم وزراء السباعية، او وزير الدفاع ايهود باراك او الجيش الاسرائيلي، حتى لو اقترح سبل سلوك أخرى للمرة القادمة التي تحاول فيها سفينة متظاهرين كسر الحصار على غزة. في مقابلة ذلك، اذا كان المتأمل كارها بينا لاسرائيل، ان شخصا معنيا باسقاط الحكومة الحالية، او شخاص معنيا في الأساس بارضاء الجماعة الدولية او جماعة الاعلام في البلاد، فمن الواضح ان متأملا كهذا (او لجنة تحقيق كهذه) سيؤثم وزير الدفاع والجيش الاسرائيلي، وربما رئيس الحكومة ويسعى الى صرفهم عن عملهم. لهذا لا داعي لاقامة لجنة تحقيق رسمية او للتعاون مع لجنة تحقيق دولية لتحقيق أحداث الاسطول المتجه الى غزة. فاستنتاجاتها معلومة سلفا، وهي تأثيم اسرائيل وعزل وزير دفاعها عن عمله بل ربما رئيس حكومتها. ما يجب على اسرائيل فعله أن تقف بحزم على روايتها وان تؤكد مرة بعد اخرى جرائم حماس في الشعب الفلسطيني وفي اسرائيل ايضا، وان تذكر الجهات والاشخاص الذين يؤيدون حماس ورحلة الاحتجاج من اردوغان المعادي للسامية الى احمدي نجاد، وان تذكر ان اسرائيل ستكون مستعدة للتعاون مع لجنة تحقيق دولية – بشرط ان تنشأ لجنة كهذه ايضا لتحقيق جميع الفظائع التي حدثت بأعمال جيوش حلف شمال الاطلسي والولايات المتحدة في جبهات قتالها. وبين انه لم يحقق أحد بعد من هو المسؤول عن قتل وذبح مئات آلاف المدنيين العراقيين منذ أجمعت الولايات المتحدة على البقاء في العراق لتفرض عليها نظاما ديمقراطيا كما يرى الغرب. صحيح ان اسرائيل كانت تستطيع الأخذ بتدبيرات تليين ما في معاملة سلطة حماس وأن تعلن مثلا من الفور مع العلم بقتل 9 مشاركين في الرحلة البحرية، انها من أجل الأسى لفقدان الحياة – وبغير ما صلة بعدالتها الكبيرة في مواجهة سلطان القتل في غزة – تفتح المعابر الى غزة للسلع من جميع الانواع مدة شهر واحد. بيد ان مصر فعلت ذلك في هذه الاثناء وأضعنا الفرصة. ليس هذا فظيعا. ليس لنا خيار في هذه الاثناء إلا ان نواجه غضب العالم وأن نهاجم نفاقه مع تأكيد وجه حماس القاتل والحكومات الظلامية التي تؤيدها – من احمدي نجاد الى اردوغان. في هذه الحالة، أفضل الدفاع هو الهجوم. والحقيقة ستتغلغل في الوعي.