في العقدين الاخيرين اعترف عدد من الدبلوماسيين الغربيين المجربين في محادثات خاصة بأنهم وجدوا صعوبة في فهم الأهداف الدبلوماسية لايران وذلك لان الايرانيين خبراء في التضليل. السفير البريطاني في طهران في السبعينيات، السير دينس رايت، لاحظ قائلا: "الايرانيون هم أناس يقولون عكس ما يفكرون ويفعلون عكس ما يقولون". مؤخرا اقتبس السفير الامريكي السابق الى الامم المتحدة جون بلتون الدبلوماسي الفرنسي القديم جان دافيد لويت الذي يعمل اليوم مستشارا دبلوماسيا للرئيس ساركوزي كمن قال في سياق المفاوضات على النووي بين ايران والاتحاد الاوروبي في أعوام 2003 – 2005: "أقول لكم كمن خدم خمس سنوات كمستشار لشيراك في الشرق الاوسط: الشيعة يكذبون كل الوقت". *** ملاحظة لويت لم تكن عنصرية او ضد كل الايرانيين، بل كان المقصود التكنيك الدبلوماسي الاساس الذي تستخدمه القيادة الايرانية. الحديث يدور عن "التقية"، عقيدة دينية اتخذها الشيعة وتسمح للمؤمن الشيعي بأن يخفي آرائه الحقيقية كي يدافع عن نفسه في وجه زعماء السنة الذين عارضوا الشيعة. جذر الكلمة العربية هو وقي، التي تعني الحماية، وهي تتناول ايضا تهديدات خارجية بشكل عام. آية الله الخميني كتب في كتابه الكلاسيكي "الحكم الاسلامي" بأن هدف التقية هو "حماية الاسلام والطائفة الشيعية". وعندما وصف الشكل الذي ينبغي فيه للحكومة الاسلامية ان تتصرف في المستقبل كتب صراحة: "اذا كان احد ما يريد ان يتحدث عن الحكم الاسلامي، فان عليه ان يقيم مبدأ التقية". وبتعبير آخر: على المحافل الايرانية الرسمية ان تعنى بدبلوماسية التضليل. وان كان معروفا القول الشهير للسير هنري واطن الدبلوماسي البريطاني من القرن الـ 17 الذي قال "السفير هو رجل مستقيم أرسل الى خارج بلاده كي يكذب من أجل دولته"، الا انه في الممارسة، التقاليد الدبلوماسية الغربية تقوم على أساس علاقات الثقة المتبادلة التي تبنى بتدرج الاتصالات على مدى السنين. افعال تضليل متواصلة معنى الامر هو ان كل تفسير الدبلوماسية الايرانية اليوم يجب أن يبحث عن الدوافع الخفية خلف اقتراحاتهم بدلا من قبل أقوالهم كما هي ببساطتها. في 17 آيار نشرت ايران تصريحا مشتركا مع تركيا والبرازيل، يقضي بأنها مستعدة لان تنقل 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب على مستوى منخفض الى تركيا تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهذا نوع من اليورانيوم هو يو 235، أي مادة مشعة قادرة على ان تطلق كميات هائلة من الطاقة لتشغيل مفاعلات نووية او قنبلة ذرية. اليورانيوم المخصب بمستوى منخفض مصنوع من 3.5 في المائة من يو 235 وناجع لمفاعلات مدنية فقط. الايرانيون ملزمون بتخصيب اليو 235 الى مستوى 90 في المائة كي ينتجوا وقودا لسلاح نووي. حسب الاقتراح التركي – البرازيلي، ستحصل ايران على يورانيوم بمستوى 20 في المائة لمفاعل البحث الصغير في طهران، حيث ينشغلون ظاهرا في انتاج مواد للاحتياجات الطبية. في السنوات الاخيرة خشي الغرب من أن تتجاوز ايران القيود المدنية التي فرضتها على نفسها فتندفع بسرعة الى مستوى تخصيب 90 في المائة. اقتراح تبادل اليورانيوم طرح لاول مرة في تشرين الاول 2009، عندما كان لدى ايران 1800 كيلوغرام من اليورانيوم بمستوى تخصيب منخفض. وكان التفكير بأنه اذا بقيت ايران مع 600 كيلوغرام فقط من اليورانيوم في مستوى منخفض، فانها لن تنجح في تنفيذ اندفاع نحو النووي. وافادت "واشنطن بوست" بان فكرة تزويد ايران باليورانيوم بمستوى تخصيب منخفض جاءت من ادارة اوباما التي ارادت ان تفحص جدية الادعاء الايراني في انها تسعى الى تطوير لاغراض طبية. اذا ما رد الاقتراح فان الامر يثبت بانهم غير معنيين باليورانيوم للتطبيقات المدنية. ولكن هل في 2009 لا تزال هناك حاجة للفحص الجدي للادعاء الايراني بشأن استخدام اليورانيوم لاغراض مدنية؟ فقد ادعى الايرانيون في البداية بانهم يخصبون اليورانيوم الى 3.5 في المائة كي يستخلصوا الكهرباء للمفاعلات، ولكن صحيح حتى 2010، لا يوجد لدى ايران حتى ولا مفاعل واحد يمكنه ان ينتج الكهرباء. في المفاعل الروسي المخطط له في بوشهر، تعهد الروس بأن يوفروا كل الوقود النووية اللازمة لجعل الحاجة الى الانتاج المحلي لا داعي له. بشكل عام، معظم الدول التي تنتج الكهرباء من مفاعلات نووية، كاسبانيا او السويد، لا تخصب اليورانيوم بشكل مستقل لان الامر يحتاج الى اقامة بنية تحتية نووية ذات كلفة عالية. *** خطأ الغرب كان في أنه تعاطى بجدية كبيرة جدا مع الادعاءات الايرانية بشأن البرنامج النووي المدني. اما الان فيتبنى الغرب الادعاء الايراني بشأن الحاجة الى يو 235 مخصب الى مستوى 20 في المائة لاغراض طبية. وهكذا سجل التضليل الايراني انجازات غير مسبوقة. يجدر بالذكر انه في العام 2006 قرر مجلس الامن في الامم المتحدة في سلسلة قرارات بأن ايران ملزمة بأن توقف تخصيب اليورانيوم لديها الى مستوى 3.5 في المائة. اما الان، فلم تنجح ايران فقط في أن تصرف انتباه الاسرة الدولية عن حقيقة انها تتجاهل قرارات مجلس الامن ومع ذلك تخصب اليورانيوم الى 3.5 في المائة، بل انها نجحت في ان تجعل العالم يقبل حقيقة انها تخصب اليورانيوم الى مستوى 20 في المائة وبدأت تنفذ مثل هذا التخصيب هذا العام دون استكمال صفقة نقل اليورانيوم الى تركيا او الى اي طرف ثالث آخر. خبراء في مجال السلاح النووي يشيرون الى انه عندما خصبت ايران اليورانيوم الى مستوى 3.5 في المائة، فانها عمليا اكملت بذلك 70 في المائة من العمل اللازم للحصول على يورانيوم في المستوى اللازم للسلاح النووي, نقطة بدء تخصيب اليورانيوم في مستوى 20 في المائة تكمل 85 – 90 في المائة من العمل. كنتيجة لذلك، توجد لايران الان نقطة بداية جديدة وأفضل نحو الاختراق الى السلاح النووي، في الوقت الذي يسير الغرب مضللا خلف ادعاءاتها