عندما كنت في السادسة، تحكي رانية ملكة الأردن، أرسلني والداي كل صباح الى المدرسة ومعي حمص في رغيف. كنت في استراحة الطعام أجلس مع فضل صديقاتي، وكانت كل واحدة تخرج من الكيس ما أعدوا لها في البيت وكنا نلتهم الطعام معا. هذه خلاصة الحبكة الروائية من وراء "نتبادل الشطيرة"، وهو الكتاب الرابع للملكة الذي احتل هذا الاسبوع قمة أكثر الكتب مبيعا في صحيفة "نيويورك تايمز" في فئة كتب الاولاد. قبل نحو من شهر الكتاب الذي كتب بالتعاون مع كالي دي فيكيو من ايطاليا بتدشين عالمي فخم في نيويورك. رأى ذلك الرئيس السابق بيل كلينتون وكبير صناعات الهايتك بيل غيتس و ازدحم 192 سفيرا من أنحاء العالم للاستقبال. هنأ الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الملكة والرسالة التربوية التي يشتمل عليها كتاب الأولاد المصور. إن نص "نتبادل الشطيرة" قصير قابل للاستيعاب، والصور الملونة تجذب النظر. ليس مهما في شطيرتك، وما الذي تعتقده في الشطيرة التي يمضغها صديقك او صديقتك الأفضل – في نهاية الأمر، برغم الفروق في المظهر الخارجي، والاعتقاد الديني وظروف الحياة (التي يجب تحسينها من أجل البائسين وهذا أحد المشروعات التي تعمل فيها ملكة الأردن)، سننشأ جميعا لنصبح بشرا يشبه بعضنا بعضا. أتيت الملك بهدية رانية، التي سيحتفل في آب القريب بيوم ميلادها الأربعين هي ملكة عصرية، مكشوفة لوسائل الاعلام، تجري وتنشط في عشرات المنظمات الأردنية والدولية. لديها آلاف الاتصالات في اليو تيوب وتكاد تتوسل الردود على كل ظهور علني لها. منذ وقت قريب أفرحها أن تبلغ مئات آلاف أصدقائها في الشبكات الاجتماعية أنها عزمت على اشراكهم أيضا في تجربتها اليومية من طريق رسائل قصيرة في تويتر. "أمس"، قالت في احدى الرسائل "مضيت لأشاهد فيلما في السينما". و "اليوم" تابعت اشراك مئات آلاف اصدقائها "وقع لي فجأة زمن فراغ، وخرجت لأقضي وقتا مع أصدقاء وصديقات لم ألقهم منذ زمن"؛ "لم أعلم"، أشركت المتصفحين في فرصة أخرى، "أي هدية أصيلة سآتي بها الملك في يوم ميلاده قبل خمس سنين، آنذاك أتيته بطفل جديد (الأمير هاشم)". يحدث فريق خاص في مكتب الملكة في عمان موقع الفيس بوك الملكي، ويرد على الرسائل، ويضم صورا توثق نشاطها في داخل المملكة. إن نادي المشجعين العالمي للملكة، الذي يشتمل ما يقرب من مليون ونصف مليون من الاعضاء، قد لف بحب كبير كتاب "نتبادل الشطيرة" وأرسل عشرات آلاف الرسائل الى الموقع الملكي الرسمي، والى الفيس بوك الخاص بها والى تويتر. في مقابلات التمهيد لبيع كتابها الجديد تكرر الملكة رسائلها لتقديم السلام والأخوة في العالم: "يجب علينا ان نعرف الآخر وان نحترم عاداته وألا يصدنا ما يبدو مختلفا وغريبا في الوهلة الأولى". بطلات الكتاب الذي أصبح متلقفا سريعا هن ليلي، وهي بنت أمريكية تأكل شطيرة زبدة الفول السوداني في لون بني قاتم، وصديقتها سلمى (باسم ابنة الملكة رانية الثالثة)، التي تأتي بالحمص داخل رغيف في استراحة الطعام. عندما سلمى باهتمام في الشطيرة الامريكية، يهاجمها الشعور بالرحمة لـ "أفضل صديقة لي تضطر الى أن تأكل هذه الشيء المقزز". أما ليلي الامريكية فلا تستطيع التغلب على الاشمئزاز من رائحة الحمص المتبل. ماذا تفعلان؟ في أحد الأيام تعزم سلمى على حشد الشجاعة من أجل الصداقة وتطلب أن تذوق قطعة صغيرة فقط من شطيرة ليلي. بعد أول قضمة يتبين لها أن الشطيرة لذيذة جدا، فتتابع القضم ويتبين لها عالم جديد. وتجري التجربة نفسها، وكيف لا على ليلي الامريكية عندما تمزق لنفسها وبحذر وخوف "قطعة صغيرة جدا" من الرغيف والحمص. وتتبادل الصديقتان الفضليان من الغد الشطائر، وتقسمان على الاستمرار على هذا النهج حتى نهاية السنة الدراسية. بعد ان تنتهيا من القفز على الحبل والتصوير واعداد الدروس والسلوك "كما يجب" في الصف، تجدان زاوية هادئة في ساحة المدرسة وتنقلان من يد الى يد كيسي الطعام. وتزداد الصداقة الوثيقة بينهما كما في الحكايات الشعبية المصورة، وثاقة. ليلي وسلمى الى الابد، برغم ان واحدة نصرانية امريكية والثانية عربية مسلمة، سيوضع على رأسها على الأيام (قبل 11 سنة وثلاثة أشهر) ويزاد لقب "جلالتك". "هدية الملك" لذكرى حميها الملك حسين المرحوم. والثاني "الاجمل" يقص قصة البنت التي تبحث عن "أجمل شيء وأنبله في العالم"، وتجده في البيت على صورة أمها. يوزع هذا الكتاب كل سنة على أنه هدية ملكية في الأردن احتفالا بيوم الأم. والثالث "مها من الصحراء" الذي أصبح أيضا فيلما وثائقيا، ويقص حكاية جهود البنت البدوية مها، التي تعدها عائلتها الفقيرة لتصبح راعية ضأن، فتكتسب الثقافة مخالفة جميع الاحتمالات. وفي آخر تصبح مها طالبة جامعية متميزة للطب. لكنهم في اصدار الكتب عندنا ما زالوا لا يجهدون في شراء حقوق ترجمة كتبها للعبرية. يقول خبير اسرائيل بتسويق الكتب: "أفكر على نحو طبيعي بحملة التمهيد لمبيعات بواسطة مقابلة مع ملكة الأردن تتوجه فيها لأول مرة الى الجمهور الاسرائيلي لكننا ينشأ عندنا من محاولات احداث صلة بمحيط الملكة، انطباع أنها لا تودنا كثيرا. ففريقها يرد بأدب مصمم التوجهات والمبادرات للتعاون". أحلام ومخاوف وآمال تعلمت رانية في احدى عشرة سني ملكها الى جانب الملك عبدالله، أن تستغل ظهورها الحسن لاظهار اسم المملكة الصغيرة في الخرطية العالمية، ولتجند للاردن مستثمرين ورجال أعمال ولتدخل جهاز التربية عصر الحاسوب لكل ولد. يصرف برنامج عملها المزدحم أيضا بنشاطات مساواة حقوق النساء، ولاخراجهن الى سوق العمل ولمكافحة قتل النساء بحجة تدنيس شرف العائلة. هذا الكفاح، عندما كانت الملكة الحسناء في ملابس رياضية وشاركت في ماراثون احتجاج على تقليص عقوبات قتلة النساء، احتل العناوين حقا لكنه لم يتوج بنجاح. ومع ذلك كله، يلمع اسم ملكة الاردن في أول عشرية من كل قائمة دولية للنساء الرائدات – المؤثرات – النشيطات من أجل حقوق الانسان في العالم. إن آخر مشروع اتصلت به بكامل جهدها وهو "مدرستي" يتعلق بنا أيضا. فقد نجحت ملكة الأردن في أن تقرن رجال أعمال روادا، أردنيين وفلسطينيين ومن جميع أنحاء العالم، الى الاستثمار في تحسين ظروف الدراسة في 500 مدرسة ابتدائية في أنحاء المملكة. "الصفوف عندنا مزدحمة، والمعلمون يشكون والآباء لا يرسلون أبناءهم الى جهاز التربية"، تقول بصراحة في المقابلات الصحفية الكثيرة التي تبذلها من أجل جمع التبرعات. "يجب علينا فعل كل ما يمكن من أجل جيل مستقبلنا". في الأردن قسمت الملكة رانية مشروع "مدرستي" الى خمس مراحل تنفيذ في خمس مناطق مختلفة، بحيث منح جنوب الأردن الصحراوي الأفضلية العليا وهو الذي أعلم سلفا بأنه الأضعف. "سأفعل كل شي" تعد الملكة، "كي نعلم أبناؤنا القراءة والكتابة. يجب علينا أن نعدهم للانضمام الى سوق العمل". وكلفتة تشجيع، كما عندنا حقا، نعش الملك عبدالله وملكته أيضا مشروع "معلم الدولة". يحظى المختارون لامتياز العام بمصافحة الزوجين الملكيين، ويحصلون على شهادات تقدير وعلى جائزة مالية عن الامتياز. بتشجيع الملكة الحثيث بلغ مشروع "مدرستي" شرقي القدس أيضا. في مقابلة خاصة بذلتها أخيرا لقناة التلفاز العربية، هاجمت الملكة رانية بكلمات لاذعة "الاحتلال"، وظلم الاولاد الفلسطينيين والتوجه الاسرائيلي الى منعهم معرفة التاريخ والتراث والرواية والذاكرة الجمعية الفلسطينية". لا يلذ نقدها المباشر آذانا اسرائيلية. تصف ملكة الاردن مدارس تنقدّ من الاكتظاظ في شرقي القدس، وتوجه نقدا للجهد الاسرائيلي لاضطرار الاولاد الفلسطينيين الى دراسة ما يختارون لهم في وزارة التربية الاسرائيلية، و "لجعلهم يصبحون جهلة بلا علم بالتاريخ الحقيقي. لا أريد دخول السياسة وآثار الاحتلال الصعبة" تقول. "أجمعت أمري على تجهيد نفسي لتحسين ظروف الدراسة في المدارس في شرقي القدس، وجمعت موارد واهتممت بأن يكتبوا ويطبعوا كتبا دراسية حدثية". بسبب البيئة الدراسية الصعبة، تقدر الملكة، ترك أكثر من 10 آلاف ولد فلسطيني جهاز التربية والمدارس في القدس الشرقية. وتزعم أنه في الضفة الغربية كلها يجول أكثر من 100 ألف ولد خارج المدارس. "ظروف الاحتلال صعبة، والاهمال مقلق. ليس عند الفلسطينيين مال واسرائيل لا يهمها"، تقول. وسئلت: ماذا ستفعلين اذا حاولت اسرائيل التشويش وأن تمنع نشاطك في أجهزة التربية في القدس؟ وتجيب الملكة: "أعتقد ان اسرائيل لن تستطيع معارضة نشاطتنا لان ما نفعله لا يعارض القوانين الدولية". في ضمن برنامج عملها المزدحم تحرص على أن تجد زمنا نوعيا أيضا لكل واحد من أبنائها الأربعة. البكر حسين وهو في السادسة عشر، الذي منحه أبوه الملك عبدالله قبل سنة لقب ولي العهد، وايمان ابنة الرابعة عشرة، وسلمى ابنة العاشرة وهاشم ابن الخمس. في البيت، تشرك قراءها في التويتر، تقول أنا أخبز الكعك، وأشاهد الافلام مع أبنائي، وأحرص على أن يعدو الدروس، وأربيهم في الأساس على أن يكونوا أناسا أفضل. ألا يتبطلوا، وأن يكونوا مثالا يحتذى في كيفية التبرع من أجل الغير، والحرص على كرامة الآخر والأهم من ذلك التفكير برأس ايجابي. "أقول لأولادي ليس مهما من أين يأتون ولا ما يلبسون ولا بأي لغة يصلون. عندما يبلغ الأمر الضحك او البكاء، يوجد عندنا جميعا الأحلام والمخاوف والآمال وخيبات الأمل أنفسها. في الختام، نحن متشابهون جدا في القرية العالمية".