قبل 62 سنة، يوم الجمعة، 14 أيار 1948، أعلن بن غوريون عن اقامة الدولة. يوم الاحد، 16 أيار، كرست أربع صفحات من صحيفة "الصباح" للموضوع. في الصفحة الثالثة نقل ضمن امور اخرى خبر عن تشكيل شرطة اسرائيل، في العنوان الرئيس "ابتداء من يوم الجمعة شرطة عبرية"، وتحت العنوان كتب: شرطة تل أبيب انتقلت الى اشراف الحكومة اليهودية المؤقتة قبل ساعتين من الاعلان التاريخي... الشرطة العبريون لم يتلقوا بعد أوامر جديدة قبيل التغيير الذي طرأ في مكانتهم بل ولم يتم تغيير الرموز القديمة، التي تحمل شعار المملكة البريطانية. بعض من أفراد الشرطة أزالوا بأنفسهم الرمز الاجنبي من قبعاتهم والباقون يتوقعون بزات جديدة ورمز نجمة داود التي سترمز للشرطة العبري في دولة اسرائيل. يوميات الشرطة تكتب باللغة العبرية ابتداء من الساعة 2 من يوم الجمعة. المسؤولون عن اليوميات لم يفتحوا صفحة جديدة في اليوميات بل واصلوا في ذات الصفحة، فأحلوا اللغة العبرية مع اللغة الاجنبية. البلاغ الاول الذي سجل باللغة العبرية في يوميات مركز الشرطة جاء من شرطة نفيه شأنان التي افادت بوقوع سطو مسلح قام به في مخازن "شوفع" قرب محطة القطار. هذه القصة القصيرة والمتواضعة قد تعبر اكثر من أي شيء آخر عن احساس 650 الف من السكان اليهود للدولة الجديدة في ذات اليوم. علم "يونيون جاك" البريطاني ازيل وبدلا منه رفع علم اسرائيل الازرق – الابيض، وفضلا عن ذلك – العالم دار كما كان معتادا ان يدور. في ذروة حرب عسيرة ووحشية للبقاء والوجود حظينا وتمتعنا بالبنية التحتية التي اعدتها المؤسسات الوطنية، البنية التحتية لـ "الدولة على الطريق". قيادة الحاضرة اليهودية، ادارة الوكالة اليهودية واللجنة الوطنية في القدس لم تنشغل فقط بادارة الحرب، بل أقامت دولة! القصة التي نطرحها هنا عن شرطة اسرائيل ليست شاذة او استثنائية. كل مؤسسات الدولة واصلت أداء مهامها وكأن شيئا لم يتغير، باستثناء الاسم والرمز. هكذا ايضا كل مؤسسات التعليم، هكذا بريد اسرائيل، هكذا كل المؤسسات الطبية والصحية، هكذا البنوك وهكذا كل باقي الوزارات الحكومية. الى جانب منظمة "الهغناة" التي تحملت عبء ادارة الحرب، والتي حقق لنا تنظيمها، تأهيلها واداؤها النصر في ميدان المعركة عملت المؤسسات الوطنية للحاضرة اليهودية الصغيرة وأتاحت المعجز الكبرى المتمثلة باقامة الدولة، تأسيسها وادارتها بشكل طبيعي وسلس جدا. نحن، أبناء الحاضرة، تعاطينا مع ذلك بعدم اكتراث تام وكأنه لم تكن هناك على الاطلاق امكانية اخرى. ولكن هذه الامكانية كانت تماما. في الـ 62 سنة التي مرت منذئذ رأينا عشرات الدول التي حظيت بالاستقلال، كلها، تكاد تكون بدون استثناء، قامت في ظروف وملابسات سهلة وسلسة بلا قياس ومع ذلك فان الكثير منها لم تنجح حتى اليوم، بعد عشرات من السنين من اقامتها. يستحق آباء الدولة أن نشير في هذه الايام الى عملهم الرائع. كانت هذه قدوة لعبارة نتيجة الفعل، بالتفكير المسبق!"