حسب المفهوم الجديد الذي بلورته الادارة الامريكية مؤخرا حول التهديدات النووية الملموسة التي يقف العالم امامها، فان التهديد الاكبر هو الارهاب النووي من جانب منظمات ارهابية مثل القاعدة، التي تحاول وضع يدها على مادة مشعة لانتاج القنابل. لا ينبغي الاستخفاف بالطبع بهذا الخطر ولكن هذا النهج يضع في مكان عال بقدر أقل دولة الارهاب الايرانية، التي حسب شهادة رئيس الاستخبارات في البنتاغون، ستصل بعد سنة الى انتاج يورانيوم مخصب بكمية تكفي لانتاج "قنبلة نووية واحدة على الاقل" في غضون فترة زمنية غير طويلة. هل معنى مفهوم واشنطن هو أن التهديد الفوري المزعوم من جانب القاعدة يسبق التهديد الواضح والفوري من جانب ايران؟ على هذا السؤال جاء مؤخرا جواب مقلق وواضح جدا في مقالة في "واشنطن بوست" لدافيد ايغنشيوس، المحلل السياسي ذي شبكة العلاقات الواسعة في البيت الابيض. وحسب مقالته، رغم المخاطر من دول "منفلتة العقال" مثل ايران وكوريا الشمالية، فان معظم الخبراء الاستراتيجيين يشخصون الخطر الاكبر في امكانية وقوع مادة مشعة في اياد ارهابية، وليس في التوقع القديم لكارثة نووية". وبتعبير آخر: برأيهم ايران هي مع ذلك دولة الى هذا الحد او ذاك مؤطرة وليست منظمة ارهابية مجنونة، وعليه يمكن البحث معها، او الضغط عليها ومحاولة احلال تغيير في سياستها بهذه الوسائل او تلك، وذلك خلافا لاسامة بن لادن وامثاله. هذا النهج يتجاهل ان ايران، اكثر من أي جهة اخرى، هي التجسد للارهاب الاسلامي والاصولي المتطرف (وزارة الخارجية الامريكية وصفتها بانها "مصدرة الارهاب الاكبر في العالم"). النهج الجديد للبيت الابيض يتجاهل حقيقة أن بالذات كون ايران دولة صاحبة كل الادوات والوسائل التي في حوزتها فانها تزيد حجوم التهديد. حتى لو لم نشتبه بالاصول، من الصعب الامتناع عن الاحساس بان واشنطن ربما تعتقد بان نقل التشديد من التهديد الايراني الى منظمات الارهاب كفيل بان يكون اكثر راحة لروسيا والصين، التي لا تزال مترددة في تعريض علاقاتها مع طهران للخطر. نقل التشديد من ايران الى بن لادن مريح ايضا للولايات المتحدة نفسها، اذا ما اضطرت الى الموافقة على عقوبات مخففة فقط، مثلما تطالب روسيا والصين. ما هو مقلق اكثر يكمن في النبأ الذي نشر في "نيويورك تايمز" في ان وزير الدفاع الامريكي روبرت غيتس تحدث بانه في هذه المرحلة ليس لدى امريكا وسائل آمنة لمعالجة النووي الايراني. بالمقابل، كما كان يمكن ان نتوقع في الاجواء الحالية، فان النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني ايضا اختلط بالموضوع النووي – ان لم يكن في نتائج المؤتمر النووي الذي عقد في واشنطن مؤخرا، فعلى الاقل في التصريحات المختلفة قبله وبعده. الرئيس اوباما ورجال ادارته لا يمتنعون عن التشديد بل وبقوة اكبر، على "الصلة" القائمة زعما بين عدم التقدم في المسيرة السلمية وبين جملة مشاكل الولايات المتحدة في المنطقة. وهم يكثرون من القول ان المصاعب التي تواجهها الولايات المتحدة في مساعيها لبلورة جبهة عربية موحدة ضد التهديد النووي الايراني تتعلق بعدم حل نزاعنا. اما الحقيقة فمختلفة. "الصلة" وان كانت موجودة، ولكن عكس تلك التي يحاولون عرضها. فليس النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني او "افعال اسرائيل" تمنع امريكا من تجنيد العالم العربي "المعتدل" لاقامة حلف ضد ايران – بل سباق طهران نحو القنبلة واتخاذها صورة من "يستخف" بالتحذيرات الامريكية. عندما ترى الدول العربية المعتدلة كيف لا يتجرأ احد على عرقلة السباق الايراني نحو القنبلة، فانها تخشى من أن ترتبط بارتباطات قوية اكثر مما ينبغي بالعربة الامريكية العرجاء. الى أن يقتنع حكام هذه الدول بانه اذا ما وعندما يتبين بانه فشلت كل المحاولات لوقف التحول النووي الايراني بوسائل دبلوماسية او اقتصادية ولا تخشى واشنطن وحلفاؤها من عملية عسكرية ايضا – فانهم سيواصلون التردد. ومثلما لاحظ ريه تكية، الخبير الشهير في الشؤون الايراني والعضو الكبير في "مجلس العلاقات الدولية" الامريكي، الاسبوع الماضي: "الضغط على اسرائيل في موضوع البناء في المناطق لن يغير الموقف السلبي لدول المنطقة من المسألة الايرانية. وبالعكس، اذا رأت ايران بان هناك ازمة في الحلف بين الولايات المتحدة واسرائيل – فانها ستتطرف في مواقفها أكثر فأكثر". وهو يواصل فيحذر: "محظور على دينامية المباحثات في الموضوع الاسرائيلي – الفلسطيني أن تؤثر على التعاون بين واشنطن واسرائيل بالنسبة لايران. جهد مشترك لقطع المسيرة السلمية عن التعقيدات النووية لايران هو الوسيلة الافضل لقصقصة اظافر الجمهورية الاسلامية.