بالصدفة، بالصدفة الخالصة، أجيز أن ينشر في يوم الكارثة خاصة لآلىء مختارة من محضر جلسات التحقيق مع عنات كام. بثوا في القناة الاولى فيلما طويلا عن محاكم نيرنبيرغ، وفي مقابلة ذلك انتشر في الانترنت نبأ عن اشتهاء كام الكشف عن جرائم حرب من انتاج الجيش الاسرائيلي. "اعتقدت أنه في امتحان التاريخ يغفر للناس الذين يحذرون من جرائم حرب"، ألقت ضوءا على عالم مفاهيمها الاخلاقية. لقد اعتقدت جمّاعة الوثائق السرية ان قادتها يستحقون لائحة اتهام شديدة من أجهزة التاريخ. وخافت أن يتهموها خطأ هناك ايضا. ربما رأت في خيالها نفسها تجلس في مقعد المتهمين في لاهاي، الى جنب يئير نفيه المقيد بيديه ورجليه. ويكاد القضاة البلجيكيون والاسبان يحكمون عليها بالسجن المؤبد، لكن يأتي في آخر لحظة من لندن مبعوث صحيفة "هآرتس" مع عدد صحفي أصفر من سنة 2008، ويشهد انها كانت على ما يرام لا مثل المجرمين الكبار في قيادة منطقة المركز. يعلم الجميع الان، ان الخطيئة الفظيعة للمجرمين الكبار كانت ارادة اعتقال او اغتيال خلية مخربين قذرين جهدوا في قتل يهود. بعث أحدهم المنتحر الذي فجر نفسه في 2005 في المجمع التجاري في نتانيا وقتل 5 مواطنين وحارسا. وأرسل مطلوب آخر منتحرا في مهمات مشابهة، وبرحمة السماء والشاباك فقط فشل في تنفيذ تدبيره. قرر المستشار ميني مزوز، الذي لم يتهم قط باصدار توجيهات لمحاربين خفيفة أيديهم على الزناد، قرر قبل سنة أن عمل التثبيط ساوق توجيهات محكمة العدل العليا المتشددة. وقد أرسل بيانا مفصلا في هذا الشأن الى محامي حركات سلام متطرفة، سارعت الى الشكوى عنده على أثر نشر الوثائق المسروقة في صحيفة "هآرتس". لكن عنات كام، بفعل عملها ضابطة اخلاق وراعية للتاريخ لم تكتف باحلال مزوز. لقد كانت أكثر برا من بابوات محكمة العدل العليا. إن ثرثرتها في التحقيق عن جرائم حرب تثبت أنها احدى ضحايا غسل الدماغ المجنون الموجه الى الجيش الاسرائيلي، والى العدل الصهيوني والى كل شيء ليس من العدل العربي. عندما يعرضونك من سن صغيرة لفكرة أن مغارة المكفيلا هي أرض محتلة، ويثرثرون أمامك بأن ضم القدس خطيئة استعمارية شديدة، فانك ستسرب ذات يوم أسرار دولة من أجل انقاذ محاربي حرية مع أحزمة ناسفة. أصدقاء بجيجنسكي استيقظ أشياع أوباما في اسرائيل أول من أمس على أنباء محزنة: ففي حفل صحفي في واشنطن قدر الرئيس أنه سيصعب على أمريكا فرض تسوية سياسية في منطقتنا. لم يتناول التفصيلات لكنه رسم حدا واضحا بين خدمة الوساطة ومحاولات الارغام. وهكذا ذوت في هذه الاثناء آمال يسارية كثيرة أزهرت هنا مع مجيء الربيع. امتلأت البلاد في الاسابيع الاخيرة بسيناريوات عن اليوم المأمول حيث سيسدد أوباما مسدسا الى رأس نتنياهو ويطلب اليه أن يبني من جديد معبر مندلباوم بين جزئي القدس. لم يكن هذا احيانا سيناريو بل توسلا شديدا: بحياة اوباما، أبعدنا عن المناطق ومزق صورتنا لان هذا لن يحدث بالرفق. فبيبي لا يفهم سوى القوة. عندما علم في الاسبوع الماضي ان المستشار الشيخ بجيجنسكي صاغ مسودة خطة امريكة لا يمكن رفضها، اشرقت في البلاد وجوه كثيرة. تحدث الجدول الزمني للمسودة عن انطلاق في الخريف القريب، بين رأس السنة و "بهجة التوراة"، لكن لم يكن من الممكن الامتناع من تفكير فلسفي في يوم الاستقلال القريب: قبل 62 سنة رقصنا "الهورا" احتفاء بانصراف المندوب البريطاني، والآن تفتتح هنا دوائر رقص احتفاء بالمندوب الامريكي. ان تسوية سياسية مفروضة هي ضد الاستقلال تماما. عندما ترغب على توقيع تسوية سياسية، تسوية خطرة بحسب فهمها، لا تكون مستقلة على قدر كبير. فالدول الاخرى تقرر بدلا منها. وحكومات أجنبية تقرر مصيرها. قد تكون بواعثها سامية نقية لكن عمل الارغام الشديد الوطأة يمس بسيادتها مسا بالغا. والتسوية المفروضة هي أيضا عكس الديمقراطية، لانه لا توجد أي طريق للملاءمة بينها وبين حسم مواطني اسرائيل في انتخابات 2009. تذكرون أنه قد فازت آنذاك أحزاب يمين رفضت بشدة حلولا سياسية من النوع الذي يطبخه لنا بجيجنسكي في مطبخ اوباما. لقد عارضت جميعها تنازلات في القدس واقتلاع مستوطنات. وقد أقسم نتنياهو في مقابلته التلفازية الاخيرة قبل فتح صناديق الاقتراع قائلا "لن أخلي مستوطنات على نحو قاطع". أطلق براك اوباما في معركته الانتخابية أقساما مختلفة تماما، لكن حكومة اسرائيل لا تخضع لحسم الناخب في امريكا بل تخضع فقط للناخب في اسرائيل. ان يسارنا النشيط، الذي يختص باقامة معاهد فخمة للديمقراطية، يفترض أن يدرك هذا أكثر من كل معسكر آخر في البلاد. لا يحل له أن يتوسل بأداة الضغط الامريكية. إن له علاقات ممتازة بأمريكا ولغة انجليزية رائعة. يمكن استغلال ذلك للتحقق من أن اوباما يتخلى في الحقيقة من أفكار بجيجنسكي المعوجة. في آخر مرة دعا فيها اليهود قوة عظمى أجنبية للتدخل في جدلهم الداخلي، قبل ألفي سنة تقريبا انتهى ذلك نهاية سيئة جدا. فحصلنا بدل يوم استقلال على التاسع من آب.