ان دولة كاملة في هياج لقضية عنات كام، وسيقرر رجل واحد كيف ستنتهي. رئيس الشاباك يوفال ديسكن سيقرر ويجيز هو وحده. اذا قرر ديسكن ان كام والصحفي اوري بلاو سيعاقبان عقابا شديدا فهذا ما سيكون؛ واذا قرر ان يغفر لهما فهذا ما سيكون أيضا. ستقبل النيابة العامة والمحكمة في آلية مخيفة قراره، ولن تفتح الحكومة والمعارضة فمهما، وستهتف وسائل الاعلام، ويصمت الرأي العام (او يتحمس). هذه هي الحال في دولة الشاباك في ديسكن لاند. صحب رئيس الشاباك القضية في بدئها بـ "قفازات حرير" كما عرف ذاك. بعد ذلك قرر "نزع القفازات". وهذه مسألة مزاج فعندما كان مزاجه حسنا وكان ما زال يلبس الحرير اقترح ديسكن على بلاو أن يعيد جميع الوثائق وألا يحاكم. وعندما هدد بنزع القفازات لم يسأله أحد ما الذي يعنيه. هل فكر في اختطاف بلاو من لندن؟ أو يفكر في اغتياله؟ يهدد رئيس الشاباك صحفيا والعالم يجري على عادته، ويصمت. لم يثر أحد للغة الزعرنة هذه، بل لم يسأل احد ما الذي قصد اليه الشاعر. أجل، عندما عين ديسكن لمنصبه قالوا انه شاعر. ولم يصعب أحد ويسأل، هل الشاباك في الحقيقة هو الذي دهم شقة بلاو وزرع فيها الفوضى. هل يدخل الشاباك شقق الصحفيين؟ هلو عن أي دولة نتحدث؟ هل عدنا الى أيام إيسر هرئيل، الذي تعقب بأمر من دافيد بن غوريون ساسة وصحفيين؟ وماذا في شأن الكشف الصحفي لألوف بن في صحيفة "هآرتس" أمس، وبحسبه أمر الفائز بجائزة نوبل للسلام شمعون بيرس في ماضيه الشاباك بتعقب أناس القائمة المتقدمة للسلام؟ أننسى كيف تصرفت تلك المنظمة في قضية الخط 300؟ وكيف حطم رجالها الجماجم وبعد ذلك اجترأوا على الافتراء على اسحاق مردخاي، وهو ضابط ذو شأن عظيم في تلك الايام؟ لكن تعالوا نترك ديسكن وأجهزة الظلام؛ انهم مسؤولون عن الأمن وربما يحل لهم. أين أجهزة الموازنة والرقابة التي يفترض ان تمنع الشاباك ان يسلك بلا تشويش؟ عندما صدرت الاشارة عن ديسكن، صمتت النيابة العامة صمتا متوترا. يمر بين الشاباك والنيابة العامة خط مستقيم واحد فقط هو خط الموافقة والطاعة. لائحة اتهام بتجسس خطير على عنات كام وامكان سجن مؤبد لا أقل من ذلك. أما المحكمة الخائفة فأصدرت أمر حظر نشر شامل طويل سخيف. وكذلك دعيت الصحافة لخدمة علم الشاباك، وحضرت من الفور كشخص واحد تقريبا. هكذا بدأت حملة الاشلاء على كام وبلاو وصحيفة "هآرتس"، و "نصوص الوثائق" و "معرضي الأمن للخطر"، اولئك الخونة. بيد أن الخيانة الحقيقة كانت خيانة الصحفيين لعملهم. والصحافة التي تقوم جنبا الى جنب مع أجهزة الأمن على الزملاء الذين قاموا بواجبهم تثير أفكارا صعبة. وكانت النتيجة كارثية: وهي ان ديمقراطية هشة جدا كديمقراطيتنا، مع فهم محدود جدا ومشوه لدور الصحافة، هي أرض خصبة لتنمية جنون الأجهزة العام. لو كان الأمر متعلقا بأجزاء واسعة من الرأي العام لأعدمت كام وبلاو في ميدان المدينة ولأغلقت صحيفة "هآرتس" من الفور. وكان اللواء الذي يأمر بالاغتيال يبقى بريئا ويبقى الصحفي والمصدر اللذان كشفا عدوين للشعب. بازاء هذه الموجة العكرة ضج الصمت. لم يقل رئيس الحكومة، وهو ديمقراطي على حسب تصوره، كلمة في القضية، ومثله وزير الدفاع. ولا كلمة من دان مريدور وبني بيغن اللذين يريان أنفسهما أيضا ديمقراطيين. وماذا عن المعارضة؟ أضحكتم تسيبي لفني. وماذا عن أهرون باراك؟ ومئير شمغار؟ انهما وزملاءهما، الذين عملوا تجنيد أنفسهم لنضال الأخطار التي ترصدت في رأيهم الديمقراطية من دانييل فريدمان، لم يقولوا كلمة ازاء الاخطار التي تترصدها من الشاباك. وقفت رئيسة مجلس الصحافة داليا دورنر وحدها. يجب أن نؤمل الآن فقط أن ينزل ديسكن عن الشجرة وأن تنتهي القضية البائسة الى صوت خافت ضعيف. لكن اذا تغلبت عليه غريزته واستقر رأيه على السلوك بغير قفازيه الحريرين الشهيرين، اللذين لبسهما عندما كان معروفا بـ "الكابتن يونس"، المركز القطري القاسي للشاباك في نابلس – فان كام وبلاو ينتظرهما مصير سيء مرير. في ديسكن لاند، الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، بقي أن ندعو الله فقط أن يرضى ديسكن.