استفدنا شيئا واحدا من الأزمة مع الولايات المتحدة وهو أن الفكرة السخيفة لمحادثات التقارب بيننا وبين الفلسطينيين قد تلاشت كما يبدو. ولما كان الفلسطينيون قد رفعوا فوق الشجرة الشهيرة لتجميد المستوطنات ولم يستطيعوا النزول عنها بعد المصالحة السيئة التي أحرزها الوسيط جورج ميتشل (10 أشهر تجميد جزئي جدا)، أثار ميتشل مصالحة أكثر غرابة هي محادثات تقارب بين ممثلي حكومة اسرائيل وممثلي السلطة. كان ذلك اقتراحا غريبا لان محادثات التقارب، التي يدعى فيها ثلاث جهات الى مكان واحد يتنقل الوسيط فيها بين الخصوم ويحاول التوصل الى حل تجري فقط عندما لا يتحدث الطرفان بعضهما الى بعض. لكننا نتحدث اليهم منذ أكثر من 17 سنة، وكان اقتراح ميتشل للالتفاف على المشكلة – التي أنشأها هو نفسه – اهانة للذكاء ببساطة. وقد حدث الان في ظاهر الامر "صدمة" جديدة: فمنذ الان توجد أمور يفترض أن توافق عليها اسرائيل من أجل محادثات التقارب، وتوجد اجراءات أبعد مدى يجب أن تفعلها لاجراء تفاوض مباشر. أما الفلسطينيون من جهتهم فقيدوا أنفسهم بالسلطة التي طلبوها وحصلوا عليها من الجامعة العربية والتي قيدتهم لاربعة شهور محادثات تقارب فقط. ان الانباء عن خطط بناء أخرى في القدس وراء الخط الاخضر سلبتهم هذه السلطة المتواضعة في هذه الاثناء. وهكذا نجح ميتشل الحبيب الفاشل في توريط ادارة الرئيس اوباما وحكومة اسرائيل برئاسة نتنياهو والسلطة برئاسة محمود عباس ايضا. تورط اوباما بطلبه وقف المستوطنات. هذا طلب صحيح حقا لكن لم يكن يجب أن يصبح شرطا للتفاوض. بعد ذلك تورط بموافقته على تجميد جزئي جدا وهي موافقة لم تستطع ارضاء الفلسطينيين. وتورط نتنياهو بموافقته على "تأجيل"، وهي موافقة أحدثت غضب اليمين لكنها لم تكن كافية لتجنيد التفاوض مع أبي مازن. والورطة الاخرى يشتمل عليها تحديد زمن "التأجيل" في عشرة أشهر. اذا جدد البناء مع انقضائها فسيتورط مع الامريكيين. واذا لم يجدد فسيتورط مع اليمين. وعباس متورط ايضا. لقد تورط في أغصان الشجرة العالية التي رفعه أوباما فوقها، واضطر الى الموافقة على مصالحة محادثات التقارب وهي مصالحة لا يريدها أحد، ووجد نفسه يحصل على شهادة احلال من عمرو موسى بدل الحفاظ على استقلال القرار. في أثناء الأزمة غير المخطط لها بين نتنياهو واوباما أثيرت مطالب أمريكية ليست سوى أداة ضغط امريكية بسبب اخطاء نتنياهو وفي ضمنها أقواله التي لا حاجة اليها في مؤتمر الايباك. اذا لم تستجب هذه المطالب او جزؤها الاكبر – فمن المحتمل ألا تبدأ أي مسيرة سياسية حتى لو أنهى ميتشل عطلة فصحه وأتانا من أجل فرص تصوير أخرى. اذا استجيبت في مقابلة ذلك المطالب الامريكية او جزؤها الاكبر في الاقل – فلن يوجد أي سبب لعدم بدء المحادثات المباشرة آخر الامر بين ممثلي حكومة اسرائيل وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية. ان مواقف البدء عند الطرفين لا تبشر بالضرورة باحتمالات اتفاقات سريعة. لكنها ستكون فرصة مهمة لمباحثة رسمية في الموضوعات الجوهرية للنزاع بين حكومة يمين اسرائيلية والقيادة الفلسطينية. لم يحدث هذا مع حكومة نتنياهو الاولى ولا مع حكومتي شارون. وما كان ليحدث ايضا في محادثات التقارب رحمها الله.