في صبيحة يوم 27/1/1969 وكنت ما أزال في بغداد، أشعلت التلفاز لأزيل الملل، بسبب رفض السلطات دخول الطلاب اليهود الجامعات، على أثر الاخفاق العربي في حرب الايام الستة. سأتذكر هذا اليوم على أنه الأشد اظلاما في حياتي في العراق. وضعت جثث مواطنين أعدموا، وبينهم تسعة يهود في ميدان التحرير. هتف نصف مليون عراقي في الأقل ورقصوا في مواجهة الجواسيس من أجل اسرائيل. مزق المنظر الذي يثير القشعريرة بقية أملي أن يستطيع يهودي البقاء في بلد يأكل سكانه. تدشن مدينة رمات غان هذا الاسبوع تمثال الصلاة لذكرى اليهود الذين ذبحوا في العراق، بعضهم في سنة 1969، ولذكرى خمسين يهوديا قتلوا في أثناء حكم البعث وفي ضمنهم أبي. لم يسامحوا الفتيان والنساء أيضا. وكمن كنت شاهدة على تلك الأيام المظلمة، تعد هذه لفتة تثير الاحترام. سبقها اقتراح قانون أجازته الكنيست يلزم حكومة اسرائيل أن تطلب، في تفاوض في السلام في المستقبل، تعويضات من الدول العربية من الاملاك اليهودية الكثيرة التي جمعت في خلال ثلاثة آلاف سنة والتي تساوي مساحة دولة اسرائيل اليوم. القانون الذي اتخذ أتى ليعدل مع اولئك اللاجئين اليهود الذين دفعوا ثمنا باهظا في الدول العربية وفي اسرائيل على السواء، في مستوى الوعي وفي مستوى الاعلام ايضا. يؤسفني أن القانون لم يتناول جزءا مهما هو غلغلة الحقائق التاريخية في جهاز التربية. فالحديث عن فصل من التاريخ المجيد لجماعات قديمة من اسرائيل بلغت 850 ألف لاجىء يهودي من البلدان العربية. وذلك في فترة تبادل السكان بعد الحرب العالمية الثانية. حرصت الرواية الصهيونية على تسميتهم مهاجرين أتوا لتحقيق الحلم الصهيوني. كانت الرواية الفلسطينية في هذه الاثناء متصلة متمسكة باستعمال اللاجئين الفلسطينيين الذين أخذ عددهم يزداد داخل مخيمات اللاجئين في البلدان العربية برغم مساعدة ثلاثة مليارات دولار وهي مساعدة لم يسبق لها مثيل حصلوا عليها من وكالة الغوث. دفعنا الى وضع تناقض استوعبت فيه اسرائيل جميع اللاجئين اليهود في حين ارتفع عدد اللاجئين الفلسطينيين من نحو 680 ألفا الى نحو من 4.5 مليون. عدم التناسب يصرخ الى السماء، في اختبار الوعي وفي اختبار نظرة الأمم المتحدة. فالعالم يعرف عن "النكبة" فقط لجانب واحد هو الفلسطيني. حظيت قضية الاملاك اليهودية في البلدان العربية بعرض مفاجىء في مقالة أسرة تحرير صحيفة "القدس العربي" التي تصدر في لندن. فالمحلل الرئيس عبدو الباري عطوان يطري السلطات المصرية لترميمها الكنيس اليهودي المسمى باسم موسى بن ميمون في المدة الاخيرة، وهو اجراء يعبر في نظره عن توجه حضاري. وهو يدعو جميع الدول العربية الى تبني هذا النموذج من أجل احداث شرعية وتناسب مع طلب عربي بالنسبة للاملاك العربية والاماكن المقدسة في اسرائيل. تشير المقالة الى دعوة البلدان العربية لليهود الى العودة الى وطنهم للحصول على ممتلكاتهم وهي دعوة لم تلق آذانا صاغية، في حين ترفض اسرائيل بقوة منح الفلسطينيين حق العودة. يفاجئنا أكثر، فضلا عن عدم الدقة أن الكاتب يثور على حقيقة أن الولايات المتحدة وأوروبا بل البلدان العربية الثرية يطلب اليها أن تدفع الى الفلسطينيين تعويضات من مظلمة سببتها اسرائيل كما قال. بين الردود التي جرتها المقالة برزت دعوى تثير الغضب تنفي حقيقة ان اليهود أتوا قبل الاسلام الى الجزيرة العربية وتتجاهل الحروب التي قام بها النبي محمد على اليهود. هنا يأتي دور جهاز التربية لتدريس الحقائق من أجل عرض جواب مناسب لمزاعم من هذا القبيل تتجاهل الحقائق التاريخية. يجب أن يعلم كل طالب اسهام الجماعات اليهودية في الحياة في الدول العربية ومعاناتها في أثناء موجات المذابح التي هزت حياتها في القرن العشرين في فاس في المغرب، وفي العراق وفي طرابلس وفي سورية واليمن. ما يزال أبناء هذه الطوائف يدفعون الثمن بكونهم بعيدين من الكعكة الوطنية. ان تاريخ الجماعات اليهودية المجيد فضلا عن انه مهم في حد ذاته، هو مهم أيضا بسبب القيمة المضافة التي يأتي بها – مواجهة الاكاذيب والجهل حولنا، لانه يعرض معادلة عانى فيها الطرفان ودفعا ثمنا. ان دفع تعويضات الى جميع اللاجئين من اليهود والعرب على السواء من صندوق دولي، ضروري لانهاء العداوة حتى بحسب التراث العربي المعمول به في بلدنا.