قد لا تكون كلمة «انتصار» في الحروب مرادفًا لحسم عسكري كامل، ولا تعني أن طرفًا خرج من المواجهة بلا خسائر أو أثمان. لكنها قد تعني، في لحظة تاريخية بعينها، أن الدولة التي استُهدفت لم تنكسر، وأن إرادتها بقيت حاضرة، وأن حسابات خصومها لم تسر وفق ما أرادوا. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة صمود إيران في مواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي، وما أظهرته من قدرة على الرد، بوصفه تحولًا يتجاوز الميدان إلى معركة الإرادة والمكانة.
لقد تضررت إيران، كما تتضرر أي دولة تتعرض لضربات واسعة، ولا يصح أن تُحجب الخسائر خلف لغة التعبئة أو المبالغة. غير أن ما بدا واضحًا هو أن طهران لم تستسلم للضغوط، ولم تتعامل مع التهديد بوصفه قدرًا لا يمكن دفعه. ردّت، وأظهرت أن استهدافها لا يمر من دون كلفة، وأن التفوق العسكري لا يضمن وحده إخضاع دولة تملك قرارها، وتستند إلى مجتمع متماسك ومؤسسات وخبرة طويلة في إدارة الصراع.
وإذا كان الميدان العسكري يقيس جانبًا من المواجهة، فإن أثرها المعنوي والسياسي لا يقل أهمية. فحين ترد دولة على قوة عظمى وحليفتها، وتصل إلى قواعدهما ومصالحهما في المنطقة، فإنها تعيد طرح سؤال الهيبة وحدود القوة. ليست المسألة هنا تمجيد الحرب أو الدعوة إلى توسيعها؛ فالحروب تترك وراءها ضحايا ودمارًا ومخاطر على شعوب المنطقة كلها. إنما المسألة أن زمن استخدام القوة بلا حساب، وفرض الإرادة من دون اعتبار لمصالح الآخرين وحقوقهم، لم يعد مضمون النتائج كما كان يُتصور.
لقد سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخطابهما القائم على التهديد والتصعيد، إلى إظهار أن المنطقة يمكن أن تُدار وفق إرادة واحدة. لكن التطورات كشفت أن هذا التصور يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا: دول لها حساباتها، وشعوب ترفض الإملاء، وقوى إقليمية قادرة على التأثير. كما أن استمرار المواجهات والمساعي الدبلوماسية، مع بقاء الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران من دون تسوية، يجعل الحديث عن نهاية محسومة للحرب سابقًا لأوانه.
ومع ذلك، فإن ما جرى يضع إيران أمام مسؤولية تاريخية بقدر ما يمنحها فرصة سياسية. فالقوة لا تُقاس بقدرة الرد وحدها، بل بما تستطيع الدولة أن تبنيه بعد المواجهة: أمنٌ متبادل، وعلاقات مستقرة، واحترام لسيادة الدول، وتعاون يخفف التوتر بدل أن يورثه للأجيال. وإذا أرادت طهران أن تتحول إلى قطب إقليمي فاعل، فعليها أن تجعل من اللحظة الراهنة مدخلًا إلى سياسة تفتح أبواب الحوار مع جيرانها، وتبدد مخاوفهم، وتطمئنهم إلى أن أمنهم ومصالحهم جزء من أي تصور إقليمي جديد.
وهنا تبرز أهمية تركيا وسائر دول المنطقة. فالتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة تفرض أن تكون ترتيبات الأمن الإقليمي ثمرة تفاهم بين دوله، لا نتيجة إملاءات خارجية أو محاور مغلقة. وقد بدأت دول المنطقة، بدرجات متفاوتة، تدرك أن الاعتماد الكامل على القوى البعيدة لا يضمن الاستقرار، وأن الخلافات بين الجيران لا تُحل بتدخلات تزيدها تعقيدًا. إن بناء الثقة بين إيران وتركيا والدول العربية، على أساس المصالح المتبادلة وعدم التدخل، يمكن أن يفتح الطريق أمام نظام إقليمي أكثر استقلالًا وتوازنًا.
ولا يعني هذا أن تبدل موازين القوى سيقود تلقائيًا إلى الاستقرار؛ فالتاريخ يقدم شواهد كثيرة على أن لحظات الانتصار قد تفضي إلى جولات جديدة إذا غابت الحكمة. المطلوب أن تتوقف الاعتداءات، وأن تُصان حياة المدنيين، وأن تُعالج أسباب النزاع عبر مسار سياسي جاد. كما أن على القوى الإقليمية أن تتجنب تحويل أراضي دول أخرى إلى ساحات لتصفية الحسابات، وأن تجعل حماية شعوبها ومقدراتها أولوية. فالقوة التي لا تضبطها المسؤولية قد تصنع خوفًا جديدًا، لا أمنًا مستدامًا.
أما فلسطين، فتبقى الاختبار الأوضح لجدية أي حديث عن شرق أوسط جديد. لا يمكن أن يكون هذا الشرق حرًا ومستقرًا ما دام الشعب الفلسطيني محرومًا من حقوقه، وما دامت إسرائيل تتمتع بحماية سياسية تتيح لها مواصلة الاحتلال والتوسع والاستيطان من دون مساءلة. إن رفض الهيمنة الأمريكية لا يكتمل بالشعارات، بل بموقف عملي يساند حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير، ويضع حدًا لسياسة فرض الوقائع بالقوة. كما أن رفض المشروع الصهيوني لا ينبغي أن يتحول إلى عداء للشعوب أو إلى تبرير لاستهداف المدنيين؛ فالمعيار هو العدل والحقوق والقانون، لا ازدواجية المعايير.
إن شرق أوسط جديدًا بلا هيمنة أمريكية أو عربدة إسرائيلية ليس أمنية تتحقق بمجرد تراجع نفوذ قوة أو صعود أخرى. إنه مشروع يحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات تعاون، واحترام متبادل، وتنمية تحفظ كرامة الإنسان. ولن يكون بديل الهيمنة هيمنةً أخرى، بل شراكة بين دول متكافئة، تصون سيادتها وتدير خلافاتها بالحوار.
لقد أبحرت سفينة هذه الأمة طويلًا وسط العواصف، وكثيرًا ما أُجبرت على طي أشرعتها بفعل الانقسام والتدخلات الخارجية. لكن الأشرعة يمكن أن تُرفع من جديد إذا التقت الإرادة مع الحكمة، وإذا تحولت لحظات الصمود إلى رؤية للمستقبل. ومن حق إيران أن ترى في ثباتها مكسبًا، لكن قيمة هذا المكسب ستُقاس بما يليه: هل يفتح بابًا لمنطقة أكثر استقلالًا وعدلًا، أم يطيل دورة المواجهة؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل قادة المنطقة وشعوبها، وهو ما سيحدد إن كان هذا التحول بدايةً لشرق أوسط جديد، أم مجرد فصل آخر من صراع لا ينتهي.


