يوم خيانة المدينة ..سما حسن

الخميس 15 أكتوبر 2026 11:03 ص / بتوقيت القدس +2GMT



مرّت ثلاثة أعوام على خيانتنا وعْدنا للمدينة، حين خرجنا منها وأطلقنا جميعًا الوعود بأننا سوف نعود إليها، ولن نتركها خاوية، ونحن نعرف جيدًا أن المدن تتنفس بأهلها. لكننا لم نعد، رغم أن كل واحد منا قد أطلق وعده بدموعه ومضى عاجزًا وباكيًا؛ فهناك من أطلق وعده وهو يتحسس جذع شجرة زيتون عتيقة في باحة البيت، أو بعد أن وقف قليلًا أمام قبر والده، وهناك من أطلق الوعد وهو يتحسس فراش أطفاله الدافئ، ويلتقط لعبة من فوقه لكي يلهو بها الطفل قليلًا، حتى لا يركز نظره وسمعه على كل مظاهر الجنون والوحشية من حوله.
لقد خنّا المدينة، وقلنا ألف مرة، إن الخيانة لا تُبرَّر، فلا يمكن أن ننتحل أي عذر لزوجة خائنة ولا لزوج خائن؛ فهناك ميثاق غليظ بينهما، وهناك ميثاق غليظ بيننا وبين المدينة، حتى لو لم يُكتب على الورق ولم يُوثَّق في محكمة أو في مكتب محامٍ قديم متهالك، على سبيل ضمان الحقوق. لكن العهود والوعود التي تُطلَق من أعماق الروح لا تحتاج إلى تأكيدها بأي مستند، سوى أن تُطلِق زفرة طويلة من أعماق قلبك، أو أن تنحدر دمعة حارة من مقلتيك.
أخبرنا المدينة في اليوم السابع من حرب الإبادة أننا سنعود لكي تدبّ فيها الحياة، وسوف نلحق بأنفاسها الأخيرة قبل أن تُسلِم الروح، وتركنا كل شيء قد يساعدها على البقاء: ذكرياتنا وضحكاتنا وصورنا العالقة على الجدران والمتشبثة بهواء الأمكنة. هناك، تتحدث الصور وتئن وتنوح كثيرًا، وهي تفتقد أصحابها، وتحاول أن تواسي المدينة الحزينة والمتعبة والنازفة، بأن لهم عودة، وأن الحياة ستعود إليها لكي تغني أجمل ألحانها.
صرختُ بابنتي الصغرى فعلًا، فبكت، وكانت تلك المرة الأولى التي أصرخ فيها في وجه أحد أولادي، وقلت لها، «اجمعي الأشياء المهمة على عجل، فسوف نعود بعد أيام». ولكن ابنتي ظلت مثل تمثال من الشمع على الأريكة التي تهشمت ساقها، وبدت جلستها فوقها مائلة، وكأنها سوف تسقط في أي لحظة. غير أن ابنتي تشبثت بالقماش السميك، وأنشبت أظافرها فيه بكل قوتها، وعضّت على شفتها السفلى بكل قوة، وبكت.
تركتها لتبكي قليلًا، وقررت أن أنتهز الوقت لأجمع أشياء متدلية من الخزانات والأدراج، ومن بين الركام والأنقاض. وتوقعت أنني سوف أعود إلى تمثال الشمع فأجده قد تحرك، ولكن ابنتي لم تتحرك أبدًا، ولم تفعل شيئًا، ولو حتى محاولة البحث عن شهاداتها الجامعية. فسحبتها من ذراعها بكل قوة، كأنها طفلة في السادسة من عمرها، وليست فتاة في مطلع العشرين من عمرها، وصرت أقفز بها فوق الأنقاض، محاوِلةً البحث عن طريق للخروج من كل هذا والوصول إلى الشارع، حيث وقفت سيارة أجرة صغيرة في انتظار أن تحملنا إلى الجنوب.
صاح السائق، المهشم الأسنان، بأنه لا يستطيع أن يحمل الكثير في سيارته، وعليه أن يعود مرة ثانية ليحمل عائلة أخرى. ولذلك، فقد انبطح كيس الطحين الكبير فوق أفخاذنا على المقعد الخلفي؛ لأنه سيكون سر حياتنا لأيام قادمة. وقد حدث ذلك فعلًا؛ لأننا وصلنا إلى مدينة خان يونس، ووجدنا أن الآلاف قد سبقونا، وأن المحال ومخازن الأغذية قد قاربت على النفاد، فيما أخفى التجار بضائعهم الغذائية أملًا في بيعها بأسعار خيالية للوافدين من مدينة غزة، على اعتبار أنهم أبناء المدينة الكبرى، حيث تُدار رؤوس الأموال وتنشط التجارة والمشاريع أكثر مما هي عليه الحال في مدينة جنوبية.
هكذا كنا نخون المدينة؛ لأننا فكرنا في كيس الطحين، ولم نفكر في وحدتها ولا حزنها ولا حتى موتها القادم واحتضارها الشقي المؤلم. كنا نفكر في يوم لا نجد فيه الطعام، وتركنا الذكريات والصور والضحكات للأيام التي تلت هذا اليوم، والتي أمضيناها ونحن نبكي ليلًا، ونركض نهارًا بحثًا عن شربة ماء ولقمة خبز.
لماذا تُخان المدن؟ لماذا لا تبقى المدن نضرة وتضج بالحياة؟ هذا السؤال لن تجيب عنه أنت، بل ستجيب عنه كل المدن التي قُتلت بالخيانة في أنحاء العالم كافة. كل ما عليك هو أن تنظر إلى الخريطة، وتقرأ التاريخ، وتعرف كم نحن بؤساء؛ لأن الحياة كانت قاسية علينا، حتى حوّلتنا، رغمًا عنا، إلى خائنين لأحبتنا.