المشهد في الكتاب...!! حسن خضر

الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 12:07 م / بتوقيت القدس +2GMT
المشهد في الكتاب...!! حسن خضر



نعود إلى ترامب بعد وقفة قصيرة في الذكرى الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر تكلمنا فيها عن جانب منه لم ينل، للأسف، ما يستدعي من تحليل واهتمام. وما يعنينا من ترامب، اليوم، علاقة خاصة بإسرائيل تبدو وكأنها تجاوزت المألوف في تاريخ العلاقات الدولية. ولسنا، هنا، بصدد العودة إلى مرافعات وفرضيات متداولة في هذا الشأن، دون التقليل من ضرورتها وأهميتها، بطبيعة الحال.
وكما فعلنا في معالجات سابقة وضعنا فيها الخيارات السياسية للمذكور، في الشرق الأوسط والعالم، وفي أميركا نفسها، في سياقين (هما الشروط الموضوعية لهذه السياسة أو تلك من ناحية، والخصائص الشخصية، مع كل ما يسمها من التهريج والعطب النفسي من ناحية ثانية) نعالج العلاقة المعنية بالمنطق نفسه.
كنّا قد ألمحنا في معالجة سبقت إلى تحوّلات بنيوية طرأت على الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة، في العالم، بعد صعود الصين على نحو خاص. لم تطرد التحوّلات المعنية الشرق الأوسط من دائرة المصالح الأميركية، ولكنها أضفت أولوية استثنائية على ميادين أُخرى، ومسارح للعمليات، مع انتقال مركز الثقل الاستراتيجي إلى المحيطين الهندي والهادي. بمعنى آخر، فإن ما نتكلّم عنه الآن هو الشرط الموضوعي لما عُرف بتقليص، وأحياناً انسحاب، الوجود الأميركي في الشرق الأوسط منذ ولاية باراك أوباما.
وما يستحق الذكر أن برنارد لويس نشر كتاباً، في هذا الخصوص، تكلّم فيه عن معضلة العرب، ضمن آخرين، في الشرق الأوسط، الذين يتوجب عليهم أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم بعدما اعتمدوا، وتعوّدوا، خلال فترة طويلة من الوقت على قوة خارجية تدير شؤونهم، وتتوسط في نزاعاتهم، وتضمن أمنهم (يعني أمن الأنظمة القائمة).
وكما تشم الضواري في البرية رائحة الدم، لم تفشل ثلاث قوى إقليمية صاعدة في الشرق الأوسط، هي التركية والإيرانية والإسرائيلية، في رؤية النافذة التي فتحها تبدّل أولويات الاستراتيجية الأميركية (التقليص، الانسحاب، الخروج، القيادة من المقاعد الخلفية، سمّها ما شئت). انفتحت النافذة، كما يحدث في كل زمان ومكان عندما تبدّل الإمبراطورية أولوياتها، على احتمالات ورهانات الوراثة والغنائم.
سنفهم، إذا نظرنا إلى الواقع من هذه النافذة، أيضاً، ومع رهانات الغنائم والوراثة في البال، الإطار الموضوعي الكبير لصعود الدواعش، والحروب الأهلية العراقية والسورية والليبية واليمنية والفلسطينية (بعد استيلاء حماس على غزة، واكتشاف القيمة الوظيفية العالية "للانقسام") وإجهاض ثورات الربيع العربي، وانهيار الحواضر، وصعود الإبراهيميات. الخ.
تستحق رهانات الغنائم والوراثة بالنسبة للأتراك والإيرانيين معالجة مستقلة. وما يعنينا، الآن، يتمثل في القوّة الإسرائيلية، التي وجدت في النافذة التي فتحها تبدّل الأولويات الاستراتيجية، وفي علاقتها الفريدة بالإمبراطورية، ما يبرر الرهان على قدر من الميراث والغنائم يفوق بقية الصاعدين، وعلى حسابهم، كلما اقتضى الأمر. وهذا هو الإطار الموضوعي للصراع التركي ـ الإيراني ـ الإسرائيلي، الذي حل محل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
والمهم، أن النافذة المفتوحة، وبقدر ما يتعلّق الأمر بالإسرائيليين، فرضت عليهم وضعاً يشبه وضع الأميركيين، حين انخرطوا في مشروع وراثة الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط على امتداد العقد الأوّل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. يسعى الإسرائيليون، اليوم، إلى وراثة الإمبراطورية الأميركية دون ممانعة من جانب نخبها السائدة، ولكن مع ترتيبات خاصة لم يتم الاتفاق عليها بعد (هذا موضوع معالجة لاحقة).
والواقع أن في هذا السياق، بالذات، ما يوفر إطاراً موضوعياً لفهم الرهانات التي وضعت ترامب على الطريق إلى البيت الأبيض، وكذلك ما وسم علاقته بإسرائيل، ونتنياهو على نحو خاص، من خصوصيات صارت محط شكوك وتساؤلات في نظر الكثيرين داخل أميركا وخارجها.
لفهم هذا الأمر بطريقة أفضل، نستعيد مشهداً رسمه مايكل وولف في كتابه المعنون "النار والغضب: داخل البيت الأبيض في عهد ترامب" (2018). يصوّر وولف في المشهد الافتتاحي للكتاب دعوة على العشاء في نيويورك بعد الإعلان عن فوز ترامب في الانتخابات، وقبل حلف اليمين، وتولي مهام عمله كرئيس للولايات المتحدة. 
يتصدر المشهد ستيف بانون مدير الحملة الانتخابية لترامب، و"عقله" الأيديولوجي، وروجر أيلز المدير السابق لمحطة فوكس نيوز، وهي في طليعة المنصّات الإعلامية التي سوّقت ترامب، وأهم منصّات اليمين في الولايات المتحدة (أرباحها مليار ونصف المليار دولار في العام) والملياردير شيلدون أدلسون، وهو من كبار أنصار إسرائيل، وكبار ممولي ترامب (تقوم زوجته الإسرائيلية مريام بهذا الدور بعد وفاته) وكان مالكاً لواحدة من أهم إمبراطوريات نوادي القمار في العالم. 
يقول بانون لأدلسون: "في اليوم الأوّل، ننقل السفارة إلى القدس، ونتنياهو يعلم، يا شيلدون".
يسأل أدلسون: "هل ترامب يعلم".
بانون يبتسم ويستمر في الكلام: "الضفة للأردن، غزة لمصر". 
في المشهد تفاصيل إضافية، ومن شأنها مجتمعة أن تجعل من إسرائيل مكوّنا عضوياً في صميم الظاهرة الترامبية. على أي حال، يعنينا من هذا المقطع الصغير، على نحو خاص، سؤال: "هل ترامب يعلم"، الذي يصلح مفتاحاً لا غنى عنه في كل محاولة لتفسير سياسات ترامب، الذي لا يفقه شيئاً منها في الغالب. بمعنى أكثر مباشرة، تكلّم بانون عن "خارطة طريق" سياسية للإدارة الترامبية الجديدة، بالتشاور مع الإسرائيليين، حتى قبل دخولها إلى البيت الأبيض، ودون ما يؤكد أن ترامب نفسه كان شريكاً في رسم الخارطة، أو مطلاً عليها بصورة كافية. فاصل ونواصل.