ثمة مفارقة يصعب تجاهلها في المشهد الفلسطيني: فصائل لم تحقق الدولة، ولم تحرر القدس، ولم توقف الاستيطان، ولم تنه الانقسام، ولم تستعد وحدة النظام السياسي، ولم تنجح في حماية المشروع الوطني من التآكل؛ ومع ذلك تتعامل مع شعبها أحيانًا كما لو أنها صاحبة إنجاز تاريخي يمنحها حق الوصاية عليه. ثم، عندما يأتي الامتحان الأبسط في أي نظام يدّعي تمثيل الناس، أي صندوق الانتخابات، يتغير الموعد ويؤجل الاستحقاق. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: ممّن تخاف هذه الفصائل وهذه القيادة؟ إذا كانت واثقة من خياراتها، ومن إنجازاتها، ومن رضا الناس عنها، فلماذا لا تذهب إليهم؟
كثيراً ما نردد عبارة الشعب مصدر السلطات، حتى كادت تفقد معناها. لكن معناها في الحقيقة شديد البساطة وشديد الخطورة في الوقت نفسه. فالشعب هو الأصل، والسلطة فرع عنه. الشعب يمنح التفويض، والقيادة تتلقاه. الشعب يملك حق اختيار من يحكمه، ومحاسبته، وتجديد الثقة به أو سحبها منه. ولا توجد قيادة تمنح نفسها الشرعية بنفسها، لأن السلطة التي لا تعود إلى الناس تتحول تدريجيًا من تمثيل لهم إلى وصاية عليهم. لهذا لم تُخترع الانتخابات لتكريم الحكام، وإنما لمحاسبتهم. الصندوق ليس احتفالًا بالسلطة، وإنما امتحان لها، وهو يعيد طرح السؤال الذي لا تحب الأنظمة السياسية سماعه: ماذا أنجزتم بالتفويض الذي تحدثتم باسمه كل هذه السنوات؟ أين الدولة؟ أين القدس التي قيل إنها عاصمة الدولة القادمة؟ أين وقف الاستيطان؟ أين وحدة الأرض الفلسطينية؟ أين وحدة النظام السياسي؟ أين المؤسسات المنتخبة؟ أين المشروع الوطني الذي يستطيع الفلسطيني اليوم أن يقول بوضوح: هذه وجهته، وهذه أدواته، وهذه قيادته، وهذه خطته؟
بل إن السؤال أصبح أكثر قسوة بعد المأساة التي أصابت شعبنا.غزة كما تشاهدون مدمرة، والناس دفعت أثمانًا يصعب وصفها. الضفة تتآكل تحت ضغط الاستيطان والاقتحامات وتغيير الوقائع على الأرض. القدس تزداد بعدًا عن المشروع السياسي الفلسطيني. والانقسام الذي قيل لنا مرارًا إنه سينتهي أصبح جزءًا من بنية النظام السياسي نفسه. هذه ليست حصيلة قيادة وفصائل يحق لها أن تتعامل باستعلاء مع شعبها. هذه حصيلة تستدعي المراجعة والمساءلة والتواضع أمام الناس. ولكن المثير للاستغراب أن العلاقة تبدو أحيانًا مقلوبة تمامًا. بدلًا من أن تقف القيادة والفصائل أمام الشعب لتقدم كشف حسابها، يقف المواطن منتظرًا أن تقرر القيادة متى تسمح له بأن يحاسبها.
يُحدد موعد الانتخابات. ثم تتشاور القيادة والفصائل. ثم يتغير الموعد. ثم يُطلب من الناس تفهم الظروف. ولكن من قال إن حق الناس في محاسبة قيادتهم ملك لهذه القيادة حتى تقرر متى تمارسه ومتى تؤجله؟ هذه هي المفارقة التي ينبغي ألا تمر بسهولة:الشعب ينتظر قرار القيادة بشأن حقه في اختيار القيادة. أي انقلاب في مفهوم السلطة أكبر من ذلك؟
وهنا، يصبح الاستعلاء السياسي أكثر استفزازًا عندما لا تسنده إنجازات. يمكن أن نفهم من أين تأتي ثقة قيادة قادت شعبها إلى الاستقلال، أو بنت دولة، أو وحدت مجتمعها، أو حققت تحولًا تاريخيًا كبيرًا. لكن من أين يأتي هذا القدر من اليقين لدى فصائللم تحقق الأهداف الكبرى التي قامت من أجلها؟ من أين تأتي لغة الوصاية؟ ومن أين يأتي الافتراض بأن القيادة تعرف ما يحتاجه الشعب أكثر مما يعرفه الشعب نفسه؟ ومن منح أي فصيل الحق في أن يتحدث باسم ملايين الفلسطينيين دون أن يعود إليهم؟ لا تكفي الشرعية التاريخية إلى الأبد. ولا يكفي أن تقول حركة إنها قادت النضال لعقود. ولا يكفي أن تقول مؤسسة إنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. ولا يكفي الاعتراف الدولي. فالتمثيل الذي لا يُجدد يتحول بمرور الزمن إلى ادعاء بالتمثيل. والشرعية التي تخشى اختبار نفسها تصبح موضع سؤال.
ولعل هذا ما يجعل صندوق الانتخابات مخيفًا رغم أنه، في جوهره، شيء بسيط جدًا: ورقة يضعها مواطن بعيدًا عن أعين القيادة والفصائل والأجهزة والوجهاء. ربما لهذا السبب تحديدًا يكون الصندوق مخيفًا. لأن المواطن، للحظات قليلة، يصبح حرًا من الجميع. لا تستطيع القيادة أن تخبره ماذا يفكر. ولا يستطيع الفصيل أن يعرف ماذا اختار. ولا تستطيع الشعارات أن تضمن النتيجة. في تلك اللحظة، تنقلب العلاقة إلى وضعها الطبيعي: لذلك ليست قيمة الانتخابات في أنها ستأتي بهذه القائمة أو تلك، ولا في أنها ستعاقب فتح أو حماس أو تكافئهما. قيمتها أنها تعيد ترتيب العلاقة السياسية كلها.
وللتذكير، لا نتجاهل الاحتلال بوصفه المسؤول الأساسي عن أصل المأساة، ولكن الاحتلال لا يستطيع أن يكون الإجابة عن كل سؤال نوجهه إلى أنفسنا. وجود الاحتلال لا يعفي القيادة والفصائل من المسؤولية. ولا يعفي الفصائل من مراجعة خياراتها. ولا يحول الفشل إلى نجاح. ولا يمنح أحدًا حصانة من المحاسبة. بل ربما لأننا شعب يواجه احتلالًا، فإن حاجتنا إلى قيادة خاضعة للمساءلة أكبر، لا أصغر. فالشعوب التي تواجه أخطارًا وجودية لا تملك ترف الإبقاء على السياسات الفاشلة فقط لأن أصحابها اعتادوا مواقعهم.
المشكلة الأعمق إذن ليست موعد الانتخابات. إنها نظرة السلطة والنخبة السياسة المحتكرة للنفوذ إلى المجتمع. نحن لسنا رعية تنتظر من القيادة أن تقرر متى تكون الظروف مناسبة لسماع رأيها.ولسنا جمهورًا يُستدعى عندما تحتاج القوى السياسية إلى التصفيق، ثم يُطلب منه الصمت عندما يأتي وقت القرار. ولسنا مجرد أرقام في بيانات الضحايا أو الحشود أو المهرجانات. نحن، نظريًا على الأقل، مصدر السلطة نفسها. ومن هنا فإن العلاقة تحتاج إلى أن تعود إلى وضعها الطبيعي:
فالشعب ليس مطالباً بتبرير رغبته في الانتخابات، بل إن من يؤجل الانتخابات هو المطالب بتبرير حرمان الناس من ممارسة حقهم في الاختيار. إذا كانت هذا الفصائل وهذه القيادة مقتنعة بأنها أحسنت، فلتذهب إلى الناس. إذا كانت ترى أن سياساتها حققت ما كان ممكنًا في ظروف مستحيلة، فلتشرح ذلك للناس وتطلب ثقتهم.إذا كانت ترى أن الشعب يقدر أداءها، فالصندوق هو أفضل مكان لإثبات ذلك. أما أن نتحدث باسم الشعب، ونقرر باسمه، ونفاوض باسمه، ونحدد له موعد الانتخابات، ثم نؤجله، وفي الوقت نفسه نصر على أننا نمثله، فهذه معادلة لم تعد مقنعة. من يملك ثقة الناس لا يحتاج إلى الخوف من أصواتهم. ومن يعتقد أنه يمثل الأغلبية لا ينبغي أن يقلقه أن تسأله الأغلبية عن حصيلته. ومن يعتقد أنه أنجز، لا يخشى كشف الحساب.
الصندوق يعني أن التاريخ لا يمنح أحدًا منصبًا أبديًا. وأن النضال السابق لا يمنح حصانة دائمة. وأن الشرعية ليست وديعة يحتفظ بها السياسي حتى نهاية حياته. وأن الشعب الذي دفع الثمن يملك، في النهاية، حق إصدار الحكم. ولهذا فإن السؤال بعد تأجيل الانتخابات ليس فقط: لماذا تأجلت؟ السؤال الذي يجب أن يلاحق كل من يتحدث باسم الفلسطينيين هو: إذا كنتم واثقين من تمثيلكم لنا، فلماذا لا تتركون لنا أن نقول ذلك بأنفسنا؟ الشعب مصدر السلطات ليست عبارة للزينة في القوانين والخطب. إما أن يكون الشعب فعلًا مصدر السلطة، وعندها يجب أن يكون قادرًا على منحها وسحبها؛ وإما أن تكون القيادة هي التي تختار متى يسأل الشعب ومتى يصمت، وعندها علينا أن نتوقف عن الادعاء بأننا نتحدث عن عقد سياسي يقوم على إرادة الناس. بعد كل ما جرى، ربما لم يعد الفلسطيني بحاجة إلى مزيد من الخطب التي تخبره بما تريد القيادة. لقد آن الأوان لأن تسمع القيادة ما يريده هو.
فمن لم يحرر القدس، ولم يبنِ الدولة، ولم ينهِ الانقسام، ولم يحمِ المشروع الوطني من هذا التآكل، لا يملك ترف الاستعلاء على شعبه.وإذا كان واثقًا من غير ذلك، فهناك طريق واحد بسيط لإثباته:افتحوا الصناديق… ودعوا الشعب يحكم.


