تَأْجِيلُ الِانْتِخَابَاتِ وَأَزْمَةُ الشَّرْعِيَّةِ: التَّغْيِيرُ يَبْدَأُ مِنْ رَأْسِ السُّلْطَةِ «لَمْ يَعُدِ الصَّمْتُ مُمْكِنًا، وَلَمْ يَعُدِ الِانْتِظَارُ خِيَارًا.».. المستشار د. أحمد يوسف

الأحد 11 أكتوبر 2026 10:43 ص / بتوقيت القدس +2GMT
تَأْجِيلُ الِانْتِخَابَاتِ وَأَزْمَةُ الشَّرْعِيَّةِ: التَّغْيِيرُ يَبْدَأُ مِنْ رَأْسِ السُّلْطَةِ «لَمْ يَعُدِ الصَّمْتُ مُمْكِنًا، وَلَمْ يَعُدِ الِانْتِظَارُ خِيَارًا.».. المستشار د. أحمد يوسف




يضعنا بيان القيادي محمد دحلان أمام سؤال يتجاوز قرار تأجيل الانتخابات: كيف يمكن استعادة حق الفلسطينيين في اختيار قيادتهم وتجديد شرعية مؤسساتهم؟ وما السبيل إلى إنهاء الانسداد السياسي، فيما تتسع الفجوة بين الناس ومؤسساتهم؟ إن الاعتراض على تعطيل الانتخابات لا ينبغي أن يبقى موقفًا عابرًا أو سجالًا بين القوى السياسية؛ فهو يتصل بحق الشعب في المشاركة، وبقدرته على التأثير في القرارات التي تحدد مستقبله.
ألتقي مع جانب كبير مما أورده دحلان من انتقادات للرئيس محمود عباس، ولا سيما ما يتعلق بتعطيل الانتخابات، وتراجع الحياة الديمقراطية، وتفرّد السلطة بالقرار، وإضعاف المؤسسات الرقابية والتشريعية. فالانتخابات ليست إجراءً إداريًا يمكن تأجيله كلما بدت نتائجها غير ملائمة لبعض مراكز النفوذ؛ إنها حق أصيل للشعب، ووسيلة سلمية لتجديد التفويض ومحاسبة المسؤولين وفتح الطريق أمام تداول السلطة.
وحين تتكرر الدعوة إلى الانتخابات ثم يتعذر إجراؤها، تتعمق أزمة الثقة، ويتنامى شعور الفلسطينيين بأن المجال العام مغلق أمامهم. ولا تقتصر آثار ذلك على القوى السياسية والنخب، بل تمتد إلى جيل شاب يريد المشاركة في صنع مستقبله، لكنه يجد نفسه أمام أفق سياسي مسدود ومؤسسات لا تتجدد عبر صناديق الاقتراع. كما أن غياب التمثيل الشعبي المتجدد يحرم المؤسسات من سندها، ويجعل قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية موضع تساؤل.
إن استمرار الرئيس عباس في موقعه من دون تفويض انتخابي متجدد، وفي ظل غياب المحاسبة الفاعلة، أتاح عمليًا تركّز القرار في دائرة ضيقة، وأضعف قدرة المؤسسات على أداء دورها المستقل. كما أن إحاطة الرئيس بأصوات الممالأة والتصفيق، وتهميش النقد والمراجعة، لا يساعدان على تصحيح المسار، بل يزيدان المسافة بين القيادة والناس. فالسلطة العامة أمانة وطنية، وليست ملكًا لفرد أو تيار أو مجموعة من المنتفعين. والقيادة الواثقة بقاعدتها الشعبية لا تخشى الاحتكام إليها، بل ترى في الانتخابات فرصة لتجديد الثقة وتصحيح الأخطاء.
وقد كنا نتوقع أن يؤدي قرار التأجيل إلى حجب فرصة انتخابية عن منافسي التيار الممسك بالسلطة. وفي تقديرنا، كان احتمال فوز «القائمة الوطنية الموحدة» مصدر قلق لدى من يخشون نتائج الصندوق؛ إذ كان من شأن ذلك أن يكشف حجم التراجع في شعبية التيار الحاكم، وأن يضعف مسعاه إلى مواصلة الانفراد برئاسة السلطة والتحكم بقرارها، بعيدًا عن المنافسة الحقيقية والشراكة السياسية الجادة. وهذا تقدير سياسي يستند إلى قراءة موازين القوى، لكنه لا يغني عن الاحتكام إلى الانتخابات نفسها؛ فهي وحدها التي تثبت هذه التوقعات أو تنفيها.
وفي هذا السياق، تبرز قوة التحالف الذي أرسى دحلان أسسه مع قيادة حركة حماس، وما عجز الرئيس ومبعوثوه عن إضعافه أو تفكيك أركانه. فقد ارتقى دحلان، في تقديرنا، إلى مقاربة سياسية تحركها المصلحة الوطنية العليا وعقلية رجل الدولة؛ إذ يرى في حماس، بما تمثله من ثقل شعبي ووطني وانتخابي، شريكًا يمكن التعويل عليه لكسر احتكار الرئيس عباس للسلطة والقرار، وفتح المجال أمام شراكة سياسية أوسع. ولعل تراجع حظوظ تيار الرئيس، وتعذر عزل حماس أو إبعاد دحلان عن المعادلة، من أسباب القلق التي جعلت ذرائع تأجيل الانتخابات موضع تساؤل.
وفي المقابل، لم تقدم السلطة ما يكفي لإغاثة النازحين في قطاع غزة، ولم تستطع حماية شعبنا ومقدساته في الضفة الغربية من اعتداءات الاحتلال والمستوطنين. بل إنها عجزت، في أحسن الأحوال، عن أداء دور يشبه دور «خيال المآتة»؛ أي الإيحاء للمستوطنين والمتطرفين المعتدين بأن ثمة من يتصدى لهم أو يردعهم.
ومع اتفاقنا مع كثير من الانتقادات الواردة في بيان دحلان، فإن رؤيتنا لمسار التغيير تبدأ بانتخابات رئاسية؛ فالأزمة، في جانب أساسي منها، تكمن في رأس الهرم السياسي، والتغيير ينبغي أن يبدأ من الموقع الذي تتركز فيه سلطة القرار. إن انتخاب رئيس جديد بتفويض شعبي واضح يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة، ويعيد الاعتبار إلى مبدأ تداول السلطة، ويمهّد لإعادة بناء المؤسسات على أسس الشراكة والمحاسبة. ولا يعني ذلك أن الانتخابات الرئاسية وحدها تكفي لإنجاز الإصلاح، لكنها تشكل بداية ضرورية لمعالجة أزمة القيادة والتفويض.
وبعد ذلك، ينبغي أن يتمكن الشعب من اختيار ممثليه في المجلس التشريعي، وأن تُستكمل العملية بانتخابات المجلس الوطني، ضمن رؤية وطنية تعيد بناء منظمة التحرير على قاعدة الإجماع والشراكة، وتمثيل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. فإصلاح النظام السياسي لا يتحقق بانتخابات جزئية قد تنتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة، بل بمسار متكامل يعيد الشرعية إلى مؤسسات السلطة والمنظمة معًا. ويتطلب ذلك جدولًا زمنيًا واضحًا وضمانات تكفل احترام النتائج، حتى لا يتحول الانتقال من مرحلة إلى أخرى إلى ذريعة جديدة لتعليق الاستحقاقات.
ويشاركنا فلسطينيون كثيرون القناعة بضرورة التغيير في موقع الرئاسة، لا بدافع الخصومة الشخصية، بل لأن استمرار الوضع القائم يضعف الحياة السياسية ويحد من قدرة شعبنا على مواجهة التحديات. والمطلوب أن يتحول هذا التطلع إلى حوار وطني مسؤول يحدد قواعد الانتقال السياسي، ويحفظ حق جميع القوى في المشاركة، ويضمن نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها. كما يتعين على القوى السياسية أن تقدم للناس برامج ورؤى قابلة للمحاسبة، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو توظيف الغضب الشعبي.
إن تعطيل الانتخابات لا يعالج أزمة الشرعية، بل يعمّقها. وعودة القرار إلى الشعب هي الطريق السلمي لتجديد القيادة واستعادة الثقة وإعادة بناء مؤسسات وطنية تعبّر عن الفلسطينيين وتخضع للمساءلة. وتبدأ الخطوة الأولى بفتح المجال أمام إرادة الناخبين والتغيير في رأس الهرم، تمهيدًا لتجديد شامل يشارك فيه شعبنا، ويعيد لمنظمته وسلطته مكانتهما مؤسستين وطنيتين جامعتين. فالمرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادة تستمد قوتها من التفويض الشعبي، وإلى مؤسسات تصون هذا التفويض وتعمل لخدمة القضية والناس.