يقدم نيكولاي ملادينوف، في مقاله المنشور في "ذا ناشيونال" في الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر، ثلاثة مسارات محتملة أمام غزة: العودة إلى دائرة الحرب، أو البقاء في حالة من عدم اليقين السياسي والأمني، أو الانتقال إلى مسار يقوم على نزع السلاح، والحكم المدني الفلسطيني، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي وإعادة الإعمار. ويرى أن الخيار الثالث هو الطريق الذي يمكن أن يفتح الباب أمام مستقبل مختلف.
لكن المقال، على الرغم من الأسئلة التي يطرحها، يترك أسئلة أكثر جوهرية بلا إجابة، خصوصًا إذا قرأنا ما كتبه ملادينوف لا بصفته محللاً سياسياً، وإنما بصفته الممثل السامي لمجلس السلام والمسؤول عن الإشراف على تنفيذ خطة يفترض أنها ستحدد مستقبل غزة.
السؤال الأول: من المسؤول عن تنفيذ الخطة؟ ومن المسؤول عن عدم تنفيذها؟
لا يكفي أن يقال للفلسطينيين إن عليهم نزع السلاح، وإنشاء حكم مدني خاضع للمساءلة، ومكافحة التطرف، فيما لا تحضر في المقال بالوضوح نفسه مسؤولية دولة الاحتلال عن الالتزام بوقف حرب الإبادة وإطلاق النار، وتنفيذ الانسحاب، واحترام الترتيبات التي نصت عليها الخطة.
فقرار مجلس الأمن 2803 لم يضع التزامات على طرف واحد، بل دعا جميع الأطراف إلى تنفيذ الخطة كاملة، بما في ذلك الحفاظ على وقف إطلاق النار بحسن نية ودون تأخير. كما ربط ترتيبات إعادة إعمار غزة، في مرحلة لاحقة، بإمكان الوصول إلى مسار ذي مصداقية نحو تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
ومن هنا، فإن التركيز شبه الكامل على نزع سلاح حماس والفصائل، من دون طرح السؤال الموازي حول التزام إسرائيل بالانسحاب ووقف العمليات العسكرية وتنفيذ ما عليها من التزامات، يجعل المقاربة تبدو أقرب إلى الرؤية الأمنية الإسرائيلية منها إلى رؤية متوازنة لمسؤوليات الأطراف.
وهذا مهم، لأن ملادينوف نفسه قال في أغسطس إن خطة مجلس السلام تقوم على "التحقق لا الثقة"، وإن الانسحاب الإسرائيلي يفترض أن يتم تدريجياً بعد التحقق من نزع السلاح. لكنه أقر أيضاً بأن دولة الاحتلال رفضت في ذلك الوقت الانسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل، وأن هذا الموقف كان يمكن أن يصطدم بالخطة التي يدفع بها مجلس السلام.
فإذا كان مبدأ الخطة هو التحقق من التزامات الطرفين، فإن السؤال يجب أن يكون: من يتحقق من التزام دولة الاحتلال كما يتحقق من التزام الفلسطينيين؟ ومن يوقف الطرف الذي لا يلتزم؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتعطل الخطة؟
كما أن الحديث عن "مكافحة التطرف" يطرح سؤالاً آخر: أي تطرف، ومن يحدد معاييره؟ لا يمكن أن يتحول هذا المفهوم إلى التزام فلسطيني أحادي الجانب، فيما يجري تجاهل التطرف السياسي والقومي والديني داخل دولة الاحتلال، وما أصبح له من حضور وتأثير في الحكومة وسياساتها تجاه الفلسطينيين. فحكومة الاحتلال الحالية توصف على نطاق واسع بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، ويشارك فيها وزراء يتبنون مواقف متشددة تجاه الفلسطينيين، فيما تتواصل سياسات الاستيطان والتوسع في الضفة الغربية. لذلك، إذا كان المقصود كسر أسباب الصراع، فإن مكافحة التطرف لا يمكن أن تكون مطلباً موجهاً إلى الفلسطينيين وحدهم.
مجلس السلام نفسه ليس خارج المساءلة. فالمجلس هو الجهة التي أُسند إليها، بموجب القرار 2803، الإشراف على الإطار الانتقالي والتنسيق لتمويل إعادة إعمار غزة، كما أن ملادينوف يشغل موقع الممثل السامي للمجلس. لذلك لا ينبغي أن يوجه السؤال عن مستقبل غزة إلى الفلسطينيين والفصائل وحدهم: ماذا سيفعل مجلس السلام؟ كيف سيمارس سلطته؟ وما حدود مسؤوليته وآليات محاسبته؟
وإذا كان المجلس يطالب الفلسطينيين بحكم مدني خاضع للمساءلة، فمن المشروع أن يُطرح السؤال نفسه على المؤسسات الدولية التي ستتولى إدارة مرحلة انتقالية واسعة في غزة.
وينطبق الأمر نفسه على التمويل. فتقرير مجلس السلام إلى مجلس الأمن تحدث عن 17 مليار دولار من التعهدات لإعادة الإعمار، لكنه أقر بالحاجة إلى سد الفجوة بين التعهدات والصرف الفعلي، مع إنشاء صندوق لإعادة إعمار غزة وتطويرها. وهنا تبرز أسئلة أساسية: من يمول؟ متى تصل الأموال؟ من يديرها؟ ومن يراقب إنفاقها؟ وما الضمانة بأن تتحول التعهدات إلى إعادة بناء فعلية؟
المشكلة الأعمق: غياب الأفق السياسي. نزع السلاح ليس مشروعاً سياسياً، وإعادة الإعمار ليست حلاً للقضية الفلسطينية، والحكم المدني ليس بديلاً عن الحق في تقرير المصير. قد تكون هذه كلها عناصر ضرورية في مرحلة انتقالية، لكنها لا تجيب عن السؤال السياسي المركزي: ماذا سيحدث بعد انتهاء المرحلة الانتقالية؟ هل ستكون هناك دولة فلسطينية؟ هل ستوحد غزة والضفة الغربية والقدس في إطار سياسي واحد؟ هل ينتهي الاحتلال؟ وهل يوجد جدول زمني واضح لذلك؟
حتى الأمم المتحدة شددت في مايو/أيار الماضي على أن التعافي في غزة يجب أن يخدم هدف إعادة توحيد القطاع والضفة الغربية تحت حكومة فلسطينية واحدة شرعية وذات سيادة، وحذرت من أن التأخير في تنفيذ القرار 2803، إلى جانب استمرار القتل والعمليات العسكرية، بدأ يستبدل الزخم الأولي الذي أعقب وقف إطلاق النار بحالة من الجمود. وهذا هو الخطر الحقيقي: أن تدخل غزة في مسار طويل من الإدارة الانتقالية، ونزع السلاح، وإعادة الإعمار، والترتيبات الأمنية، والتمويل الدولي، من دون أفق سياسي واضح.
في هذه الحالة، قد يتغير شكل الصراع من حرب مفتوحة إلى إدارة طويلة للأزمة. ومن حق الفلسطينيين، بل من الضروري، أن يراجعوا تجربة الفصائل المسلحة، وأن يسألوا عن جدوى الخيارات التي قادت إلى ما وصلت إليه غزة، وأن يعيدوا التفكير في العلاقة بين المقاومة والحكم والمؤسسات الوطنية والقرار السياسي.
لكن هذه المراجعة لا يمكن أن تتحول إلى رواية تختزل أسباب الحرب وغياب الاستقرار في سلاح الفصائل وحده. فالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يبدأ في 7 أكتوبر 2023، كما أن حرب الإبادة التي شنتها دولة الاحتلال، واستمرار الاحتلال والاستيطان والحصار والصراع على الأرض وغياب الحل السياسي، لا يمكن تفسيرها فقط بما تفعله الفصائل الفلسطينية. هناك أيضاً مسؤوليات فلسطينية وإقليمية ودولية يجب أن تكون جزءاً من أي مراجعة جدية.
ومن هنا، فإن موقع ملادينوف يفرض عليه مسؤولية إضافية. فعندما يتحدث ممثل مجلس السلام عن مستقبل غزة، فإن حديثه لا يُقرأ بوصفه تحليلاً سياسياً شخصياً فقط، بل باعتباره جزءاً من الرؤية التي يتبناها المجلس للمرحلة المقبلة. وكان يفترض أن يتضمن هذا التصور مساحة واضحة لمسؤولية المجلس نفسه، وضمانات وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وآليات التمويل والمحاسبة، والأهم: الأفق السياسي الذي يفترض أن تقود إليه المرحلة الانتقالية.
أما أن يصبح مستقبل غزة معلقاً بين نزع السلاح وإعادة الإعمار والحكم الانتقالي، بينما يبقى السؤال السياسي مؤجلاً، فهذا يعني أن الفلسطينيين قد يجدون أنفسهم أمام مسار طويل آخر، لا تنتهي فيه الحرب بالضرورة إلى سلام، وإنما تنتقل من مرحلة القتال إلى مرحلة إدارة الصراع.
غزة لا تحتاج فقط إلى من يدير مرحلة ما بعد الحرب، بل إلى مسار ينهي الأسباب التي أعادت إنتاج الحرب. والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه مجلس السلام، وليس الفلسطينيون وحدهم، هو: ما الأفق السياسي الذي ستصل إليه غزة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية؟ إذا لم تكن هناك إجابة واضحة، فإن الحديث عن "مستقبل مختلف" سيبقى ناقصاً، مهما كانت أهمية نزع السلاح وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات.


