أعرب نائب الرئيس الامريكي السابق، ديك تشيني، قبل عدة أيام عن رأيه في أن براك اوباما هو رئيس لولاية واحدة. لم يكن هذا تقدير موضوعي لمراقب من الخارج. بالنسبة للرجل المحافظ الاكبر في امريكا، كان انتخابات اوباما لمنصبه مثابة صدمة شديدة. من الصعب التفكير عن أحد ما ذي آراء أبعد من آراء تشيني عندما سماع تصريحات أوباما. الحماسة التي جرفت امريكا، والعالم بأسره، مع انتخاب الرئيس الافرو – امريكي الاول أفزع المحافظين الجدد. خيبة الامل من الرئيس، في ختام أكثر من سنة على ولايته هي مثابة صافرة تهدئة. الان يمكنهم ان يتنبأوا بفقدان الاغلبية الديمقراطية في المجلسين، وعن أن اوباما لن يكون بوسعه أن ينتخب مرة اخرى، دون ان يرفع احد ما حاجبه. قول تشيني هو أمنية سياسية، ولكنه تقدير معقول ايضا، ينسجم وأمور تقال اليوم في واشنطن حتى على لسان من لا يرغب في طالح أوباما. ما كنت أقترح على أوباما أن يشيح بأقوال نائب بوش، فقط لانها قيلت على لسان خصم سياسي لدود. يحتمل، بالتأكيد، أنه دون أن يقصد ذلك، يقترح تشيني على أوباما اقتراحا يجدر به ان يفكر به جيدا: ان يكتفي بفترة ولاية واحدة. كانت تلك أربع ولايات متواصلة لروزفلت هي التي حققت الدستور الامريكي في السماح للرئيس بالولاية لمرتين فقط (متواصلتين او منفصلتين)، وتقريبا كل رئيس بذل، منذ ذلك الحين، جهدا كبيرا كي يسمح له العطف الذي يجمعه في فترته الاولى بأن ينتخب الى الثانية. وكنتيجة لذلك، تصبح فترة الولاية الاولى خشبة قفز الى الثانية، ومعنى الامر هو عدم اثارة غضب أناس كثيرين، وأن يكون الرئيس لطيفا مع قطاعات كثيرة بين السكان وأن يمتنع عن قرارات في مواضيع تثير الخلاف الشديد. معظم الرؤساء يتجرأون على اتخاذ خطوات قاطعة فقط في فترة ولايتهم الثانية، ولا سيما مع نهايتها، وعليه فانهم يجدون صعوبة حقا في تحقيق خطوات تتطلب زمنا أطول. الفجوة الكبرى بين خطابات أوباما الملتهبة وبين أفعاله، التي تبحث جميعها عن حل وسط يمكن ان تعزى الى شخصية الرئيس، ولكن ايضا الى حقيقة ان حملته الانتخابية للولاية الثانية بدأت في اليوم الاول الذي بدأ فيه ولايته كرئيس. وهو يوظف جهودا هائلة في محاولات ارضاء الجمهوريين ونيل تأييدهم للخطوات التي يقودها، من زاوية نظره، في صالح الأمة. وهو لا يفهم كيف يصوت الجمهوريون خلافا لافكاره، وليس مستعدا لان يسلم بأنهم ببساطة يريدون ان يفشلوه في كل ما يسعى اليه. لو انه يقرر امور كثيرة يمكنها ان تتغير تغييرا كاملا لو توصل أوباما الى قرار بعدم طرح ترشيحه لولاية ثانية. قد يكون هذا قرار بينه وبين نفسه. في اللحظة التي يصمم فيها على أنه لا يعتزم المنافسة في 2012، سيتغير سلوكه وتتغير جدا اعتباراته.فهو سيعرف بأنه لا حاجة به الى الامتناع عن قرارات حاسمة شديدة فقط لان هذا القطاع او ذاك في اوساط الناخبين من شأنه ان يكن له الضغينة وأن يحاسبه بعد وقت قصير نسبيا. الاصلاحات الداخلية الضرورية يمكن ان تتم اذا لم يكن للاعتبار السياسي دور في تحقيقها، وهو في واقع الحال جاء الى منصبه كي يغير. كان هذا، بعد كل شيء، شعاره الانتخابي، اما الانتقاد عليه فهو أنه خلافا لاقواله، فان افعاله تذكر اكثر من كل شيء آخر بسلفه، جورج بوش.بيان علني عن قرار كهذا سيربط، بالطبع، يديه وتقريبا لن يسمح له بالتراجع (ليس هذا هو الحال في حالة قرار بينه وبين نفسه، يمكنه ان يتراجع عنه اذا رأى انه لا يفقد الارتفاع في الاستطلاعات)، ولكنه سيمنحه قوة شديدة، وسيخفف عنه الضغط. وذلك، لان القطاعات المختلفة ستعرف مسبقا بأن ضغوطها لن تجدي نفعا.نشر دراماتيكي لقرار يعد سابقة كهذا – اذا لم يأخذ بالحسبان قرار الرئيس ترومان، الذي رغم انه انتخب للرئاسة مرة واحدة فقط، بقي في ولايته نحو ثماني سنوات كاملة، بعد وفاة روزفلت – ربما يجعل براك اوباما "أوزة عرجاء" قبل الأوان ولكنه كفيل ايضا بأن يمنحه المكانة وأن يغير مكانته ايجابا على نحو فوري.في هذا الوضع يمكنه ان يتخذ قرارات اكثر حدة بكثير – في سواء في مواضيع قانون الصحة الهام له جدا، ام في موضوع العقوبات على ايران، الاقتصاد الامريكي والمسيرة السياسية في الشرق الاوسط. يمكنه ان يخلف طابعا اكثر عمقا مما سيخلفه، حتى لو بقي ثماني سنوات متواصلة، اذا ما ربط نفسه بالكونغرس في كل مجال هام في نظره. ثمة مجال للتقدير بأنه كلما أبدى حزما أكبر، فانه سيحظى بدعم سياسي أكبر وبتقدير متجدد من الرأي العام. متقاعد شاب – وشعبياذا اتخذ اوباما هذه الخطوة، غير المرتقبة جدا، فانه سيصبح بعد ثلاث سنوات متقاعدا شابا جدا، خلفه الوظيفة الاهم في العالم، وكذا عدة قرارات حاسمة هامة غيرت وجه المعمورة. في هذا الوضع سيكون شعبيا جدا كرئيس سابق، يمكنه ان يدفع الى الامام بجدول اعماله الواضح، ان يدعم الامور الصحيحة، ان يعارض امورا اخرى، ان يؤثر على اصحاب القرار في العالم بأسره وكذا على الرأي العام.اذا تعاظم التوق له في اعقاب شعبيته التي جمعها كرئيس سابق، وأظهر الاستطلاعات بأنه اذا ما تنافس فستكون له فرصة كبيرة في الفوز، وتوجه الكثيرون اليه بطلب التنافس ثانية عن الحزب الديمقراطي. يمكنه ان يفعل ذلك بعد عشر سنوات بل حتى بعد 20 سنة.اما اذا لم يحصل هذا – ولا يمكن لاحد ان يضمن ألا يقوم له خلفاء اكثر عطفا منه – فيمكن للرئيس اوباما ان ينظر الى نفسه في المرآة، في باقي حياته، وان يقول لنفسه انه لم يضيع سنواته الأربعة في البيت الابيض في الاستعداد للولاية الثانية. في نفس الوقت يمكنه ان يستمد الرضا من معرفته بأنه ساهم مساهمته في تحويل العالم الذي نعيش فيه الى عالم أفضل قليلا. لعمل ذلك، ثمة حاجة الى زمن نوعي. ليس بالذات زمنا كثيرا. يجدر الانصات الى تشيني.