تعاني شابة صينية تدعى مي من القلق الشديد في المواقف الاجتماعية، تشعر بضيق في الحلق وتعرق في اليدين قبل أي تجمع مع الأصدقاء. لجأت الطالبة الجامعية البالغة من العمر 20 عاماً إلى حل بدا لها بسيطًا: تناول أدوية موصوفة طبيًا اشترتها من بائعين عبر الإنترنت بطرق غير قانونية.
بدأت مي بتناول دواء البريغابالين، المستخدم أساسًا لعلاج الصرع والآلام العصبية، بالإضافة إلى حاصرات بيتا التي تُستعمل لأمراض القلب. وفقًا لروايتها، الأدوية المجمعة معًا توفر إحساسًا بالاسترخاء والنشوة، حيث تقول: "كنت أشعر بالنشوة، وكأنني أستطيع أن أكون الشخص الأكثر إثارة للاهتمام في المكان. الأمر أشبه بتناول عشرة مشروبات كحولية، من دون الشعور بالغثيان".
لم تقتصر تجربة مي على السهرات، بل امتدت إلى الاستخدام اليومي. تقول إنها لا تستطيع حاليًا مغادرة المنزل بدون تناول الأدوية، محذرة من أنها قد تفقد القدرة على التأقلم بدونها. عندما حاولت التوقف عن تناولها لمدة أسبوعين، عانت من اكتئاب وأفكار انتحارية.
ليست مي حالة منعزلة. يُرجح الباحثون أن ملايين الشباب حول العالم يستخدمون أدوية موصوفة بهذه الطريقة كبدائل للكحول. يرتبط هذا الاتجاه بارتفاع مستويات القلق لدى جيل زد، أي المولودين بين عامي 1997 و2012. وجدت دراسة عالمية أن عدد حالات اضطرابات القلق بين من تتراوح أعمارهم بين 10 و24 عاماً ارتفع من 10 ملايين إلى 16 مليوناً بين عامي 1990 و2021.
يترافق هذا الارتفاع في القلق مع ابتعاد الشباب البالغين بشكل متزايد عن الكحول، ما جعل جيل زد يُلقب بـ"جيل بلا كحول". عالميًا، تراجعت قيمة أسهم شركات الكحول بمقدار 830 مليار دولار في عام 2025. في هذا السياق، ظهرت سوق جديدة لمواد تُروَّج عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أنها بدائل صحية وآمنة للكحول.
ارتفع الاستهلاك العالمي للبريغابالين إلى أربعة أضعاف بين عامي 2008 و2018، وفقًا لدراسة في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز. سجلت الصين أولى حالات إساءة استخدام البريغابالين عام 2024، ما دفع الحكومة إلى الإعلان عن خطط لتشديد الرقابة. حذت الهند حذوها بتقييد استخدامه في مايو 2026، بينما رصد باحثون في الأردن وأوكرانيا ارتفاعًا في الإساءة الدوائية.
تُظهر وسوم التواصل الاجتماعي آلاف الفيديوهات حيث يُشجع المستخدمون على تكديس أدوية مختلفة معًا لتعزيز التأثير. وجدت فريق BBC العالمي مؤثرين يبيعون هذه الأدوية مباشرة عبر حساباتهم. تقول مي إن هناك "آلاف المنشورات" تعرض هذه الأدوية للبيع، وأنه "من السهل العثور عليه وطلبه".
يؤكد خبراء أن الحصول على هذه الأدوية بدون إشراف طبي ينطوي على مخاطر جسيمة. قد يؤدي تناولها بجرعات عالية إلى إبطاء التنفس وتهديد الحياة في بعض الحالات. كذلك يمكن لحاصرات بيتا بجرعات عالية أن تسبب إغماءات وتباطؤًا خطيرًا في ضربات القلب. يطور مستخدمو هذه الأدوية تحملًا تدريجيًا، ما يعني أنهم يحتاجون لجرعات أكبر بمرور الوقت للوصول لنفس التأثير.
الأخطر أن الاستخدام المنتظم قد يؤدي إلى اعتماد نفسي وجسدي. عند محاولة التوقف، قد يعاني المستخدمون من قلق متزايد وأرق وأفكار انتحارية. يقول ليام نولز، باحث في مجال الإدمان بجامعة تيسايد: "ينظر الشباب إلى هذه العقاقير بوصفها بديلًا أنظف وأكثر أماناً"، لكنه يضيف: "هذا شعور زائف بالأمان".
يرى بعض الباحثين مثل البروفيسور ديفيد نَت من إمبريال كوليدج لندن أن جرعات منخفضة من البريغابالين قد تكون أقل ضررًا من الإفراط في شرب الكحول. لكنه يحذر: "إذا كانوا يستخدمونه بوصفه نوعًا من المواد المسكرة للوصول إلى حالة الثمالة، فإنهم يكونون عرضة لخطر الاعتماد عليه".
تثير هذه الممارسة قلقًا نفسيًا إضافيًا. تقول البروفيسورة إميلي جونز، عالمة النفس في كلية كينغز كوليدج لندن: "إذا درّبت نفسك على الاعتقاد بأنك لن تكون آمناً إلا إذا تناولت هذه الأدوية قبل الخروج لقضاء سهرة، فمن السهل جداً أن يبدأ هذا الاعتقاد بالتعمم". بمرور الوقت، قد يفقد الناس ثقتهم في قدرتهم على التعامل مع المواقف الاجتماعية بدون مساعدة كيميائية.
مع تشديد الدول للقيود على هذه الأدوية، يحذر بعض الخبراء من عواقب غير مقصودة. يقول ميكيتا لابين، عالم الأوبئة ورئيس منظمة "مايند غيمز" الأوكرانية: "حظر مواد معينة يدفع الناس ببساطة إلى السوق السوداء وشراء عقاقير مشكوك في جودتها"، ما يزيد خطر الجرعات الزائدة والتسمم.
يضيف نولز أن البريغابالين غير الشرعي يحمل مخاطر إضافية لأن المستخدمين قد لا يعرفون بدقة ما يتناولونه. بخلاف المشروبات الكحولية المباعة قانونًا والتي تحمل بيانات واضحة عن محتوى الكحول، فإن الأدوية المشتراة عبر الإنترنت قد لا تكون ما تبدو عليه.
تشعر مي، مثل آلاف الشباب الآخرين الذين وقعوا في هذا الفخ، بالخوف من عدم القدرة على التوقف نهائيًا. تقول: "إنه أمر مخيف. لا أعرف كيف سأتأقلم من دونه". هذا الخوف يعكس الواقع المحتمل للاعتماد الذي قد لا يكون أسهل كسره من الإدمان على الكحول نفسه.
اقرأ أيضًا:


