لجنة متابعة وزراء الخارجية في الجامعة العربية التي انعقدت في القاهرة اتخذت في 3 اذار 2010 قرارا يؤيد بدء محادثات تقارب بين اسرائيل والفلسطينيين. والمقصود هنا المفاوضات التي ستجرى بصيغة مشابهة لتلك التي جرت فيها المفاوضات بين اسرائيل وسوريا بوساطة تركية، في اثناء ولاية حكومة اولمرت. أي ان يوجد وفدا المفاوضات في ذات المدينة، والوسيط التركي يتنقل بينهما. في هذه الحالة من المعقول ان يتنقل الوسيط الامريكي، السناتور السابق جورج ميتشيل بين القدس ورام الله. وفي القرار تحددت فترة من اربعة اشهر لادارة هذه الخطوة كما تحدد الا تصبح محادثات مباشرة الا اذا اوفت اسرائيل بمطلب التجميد التام للبناء في المستوطنات. في أعقاب هذا القرار، صادقت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في 7 اذار على استئناف المحادثات بالصيغة المقترحة. بعد اكثر من 15 سنة جرت فيها محادثات مباشرة بين اسرائيل والفلسطينيين يشكل الانتقال الى محادثات تقارب تراجعا واضحا ويعكس عمق انعدام الثقة بين الفلسطينيين وحكومة اسرائيل الحالية. كما أن عمرو موسى، امين عام الجامعة العربية تناول انعدام الثقة باسرائيل حين قال في حديثه الافتتاحي قبل ان ينقل قرار وزراء الخارجية العرب: "رغم انعدام الثقة بجدية نوايا الطرف الاسرائيلي، قررت اللجنة اعطاء فرصة للمحادثات غير المباشرة كفرصة أخيرة ومن أجل السماح للولايات المتحدة بالقيام بدورها".القرار الامريكي للمبادرة بمحادثات تقارب، كان نتيجة الصعوبة الجمة لاستئناف المفاوضات بين الطرفين. هذه الصعوبة، كما أسلفنا، نبعت بقدر كبير من انعدام الثقة الفلسطينية بالقيادة الاسرائيلية ولكن ايضا من الخطأ الذي ارتكبته الادارة الامريكية حين اختارت مطلب التجميد المطلق للاستيطان كسبيل لاستنئاف المفاوضات في شروط اولية تكون افضل بالنسبة لرجال الادارة. كان هذا خطأ لانه من جهة، كان هذا مطلبا ما كان يمكن لرئيس الوزراء نتنياهو أن يقبل به، ومن جهة اخرى وضع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، على شجرة عالية وجد صعوبة في النزول منها. فاذا كانت الادارة الامريكية تطالب بتجميد الاستيطان فبالتأكيد لا يمكن لعباس أن يستأنف المحادثات المباشرة بلا تجميد كهذا دون ان يصاب بضرر سياسي جسيم. محادثات التقارب هي سلم يسمح بالنزول عن هذه الشجرة. هذا سبيل لاجراء مفاوضات دون أن تبدو حقا كمفاوضات. قرار وزراء الخارجية العرب يرمي الى تعزيز هذا السلم ومساعدة عباس في التصدي للانتقاد الذي سيوجه اليه على قراره. وقد بدأ هذا الانتقاد منذ الان، سواء من جانب حماس أم من جانب دوائر داخل حركته، فتح. يبدو أن الفلسطينيين قرروا قبول فكرة محادثات التقارب وبادروا الى قرار التأييد من الجامعة العربية وذلك ايضا لانهم تلقوا بعض الوعود من الادارة الامريكية. فقد نشر مثلا بانه في وثيقة سلمت للفلسطينيين كرد على اسئلتهم عن مبادرة المحادثات غير المباشرة، تعهدت الولايات المتحدة امام السلطة الفلسطينية بانه اذا لم يفِ أحد الطرفين بتوقعات الامريكيين، فانها ستوضح قلقها وستعمل بموجب ذلك كي تتغلب على العائق. المعنى هو ان الولايات المتحدة ليس فقط ستنقل الرسائل بين الطرفين بل وايضا سترفع اقتراحات من جانبها وافكار الجسر. كما أن الادارة قالت في ردها ان هدفها المركزي هو اقامة دولة فلسطينية سيادية، مستقلة وقابلة للعيش. الدولة الفلسطينية ستكون ذات أرض اقليمية متواصلة، وتؤدي الى انهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967. ليس في هذه الصيغة التزاما واضحا بحدود 67 وهي تعبر عن تكرار لتصريحات سابقة لوزيرة الخارجية، كلينتون. محادثات التقارب معقدة واقل نجاعة من المحادثات المباشرة. كما أنها تعطي قوة أكبر للوسيط الامريكي الذي سيكون حرا في أن يقرر باي طريقة سينقل الرسائل المتبادلة وكيف سيدفع الى الامام اقتراحات الجسر التي تكون له. النتيجة ستكون على ما يبدو في نهاية المطاف ان الطرفين سيوجهان رسائلهما الى الامريكيين بدلا من ان يوجهاها الواحد الى الاخر، وثمة خطر في أن يكون الهدف الاساس للطرفين الوصول في نهاية المطاف الى موقف يمكنهما من خلاله ان يتهما الطرف الاخر بالفشل وان يعطي الطرف الامريكي الاسناد لحججهما. محادثات التقارب ستؤدي دورها فقط اذا ما كان بوسعها أن تصبح بعد فترة زمنية قصيرة نسبيا محادثات مباشرة. فضلا عن ذلك يمكن أن يكون هذا صعبا اذا ما واصل الفلسطينيون الاصرار على مطلبهم بالتجميد التام والاستيطان. القرار الفلسطيني يشكل من ناحية ما نهاية فترة مريحة في علاقات حكومة اسرائيل مع الولايات المتحدة. فطالما رفض عباس استئناف المحادثات كان بوسع اسرائيل أن تدعي بان الجمود في المسيرة السياسية هو بذنب الفلسطينيين. بعد بدء محادثات التقارب لا يمكن لاسرائيل أن تكتفي بالتصريحات العمومية عن استعدادها لتطبيق حل الدولتين وسيتعين عليها أن تعرض مواقف ملموسة في المسائل الاساس: الحدود، الامن، القدس واللاجئين. في ضوء حقيقة أن رئيس الوزراء نتنياهو صرح عدة مرات حتى الان بان المواقفت التي عرضها سلفه، اولمرت، في المفاوضات مع الفلسطينيين ليست مقبولة عليه، من المعقول ان تعلق المحادثات في أزمة بعد وقت قصير من بدئها. في هذه الازمة من المعقول ان تقف الولايات المتحدة الى جانب الفلسطينيين وليس الى جانب اسرائيل لان هذه تراجعت عن مواقف سابقة. وسيتعين على حكومة اسرائيل أن تبلور طريقا للتصدي لهذه الازمة ربما من خلال عرض بدائل لاتفاق كامل مع الفلسطينيين. في هذه المرحلة يعارض عباس كل بديل ليس اتفاقا دائما كاملا وبالفعل قيل انه في وثيقة سلمت الى الفلسطينيين تم التشديد على أن الادارة سجلت أمامها بان الفلسطينيين غير معنيين بتطبيق خيار الدولة بحدود مؤقتة، والتي ترد في "خريطة الطريق". فضلا عن الفجوات العميقة التي بين مواقف الطرفين، فان المحادثات من شأنها ان تتأثر ايضا من تعاظم الاحتكاك بين اسرائيل والفلسطينيين في مناطق يهودا والسامرة في اعقاب قرارات وتصريحات مختلفة للحكومة الاسرائيلية، والتي تضاف الى الاحباط الفلسطيني من الجمود السياسي. دليل على آثار محتملة للمزاج المتعكر للجمهور الفلسطيني يوجد في استطلاع الرأي العام الاخير الذي أجراه المعهد الفلسطيني PCSR وبموجبه فان نحو 40 في المائة من المستطلعين يؤيدون استئناف الانتفاضة المسلحة. عندما سئل ذات السؤال في 2006 كانت نسبة المؤيدين لاستئناف الانتفاضة المسلحة اقل من 10 في المائة. الانتقاد الداخلي على عباس بسبب استئناف المحادثات سيتعاظم وسيجعل من الصعب اجراء المحادثات اذا ما اعتبر في اوساط الجمهور الفلسطيني كمن دخل المحادثات مع اسرائيل فيما هي تشدد قمع الفلسطينيين و "سلب اراضيهم". سيتعين على اسرائيل أن تتخذ اجراءات لتهدئة المنطقة اذا كانت ترغب في اجراء المحادثات.