يعود بعض المسافرين من عطلاتهم لا بهدايا تذكارية فحسب، بل بتحولات ملموسة في طريقة حديثهم وملابسهم وتصرفاتهم، محتفظين بآثار الثقافات التي زاروها والمجتمعات التي عاشوا فيها لفترة مؤقتة.
الظاهرة ليست نادرة؛ يملأ الإنترنت مقاطع لأشخاص بدأوا يتدخنون السجائر وارتدوا الملابس السوداء بعد أيام قليلة في برلين، أو استخدموا كلمات بريطانية من يومهم الأول في لندن، أو نطقوا اسم "إير بي إن بي" بلكنة فرنسية بعد أسبوع في باريس. حتى النجمة مادونا اكتسبت نبرة بريطانية خلال إقامتها في إنجلترا، ما أثار موجة من السخرية.
السبب العلمي لهذا التحول ليس غامضاً؛ دراسات نفسية تشير إلى أن البشر يقلدون لهجات من حولهم من دون وعي، وأن السفر إلى مكان جديد يُبرز هذا الميل الطبيعي. البيئة الجديدة والتفاعل المباشر مع السكان المحليين يُسرعان عملية التمثل اللغوي والثقافي.
لكن وراء التقليد اللغوي البسيط، توجد دوافع نفسية أعمق. تقول الدكتورة شارلوت راسل، اختصاصية علم النفس السريري: "الدافع الأكثر وضوحاً هو شعور الناس بارتباط قوي بتجربتهم في مكان معين، ورغبتهم في الاحتفاظ بذلك الإحساس الذي أعطاهم إياه ذلك الارتباط". فتبنّي كلمة أجنبية أو حركة محلية يصبح طريقة للحفاظ على الذكريات والمشاعر المرتبطة بالرحلة.
غير أن هناك دافعاً ثانياً أقل براءة: إظهار الآخرين أن الشخص كثير السفر ومتطور ثقافياً. راسل تشير إلى أن هذا الدافع قد ينطوي على شعور بالتفوق بسبب الخبرات السفرية.
الأنثروبولوجي غاريث باركين يربط هذه الظاهرة بمصطلح "الرغبة المحاكاتية" للفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار. عندما نسافر، لا نريد فقط استهلاك الطعام والمشاهد، بل امتصاص ثقافة المجتمع بأكمله. نحاول، غالباً من دون وعي، أن ننصهر في "الآخر"، معتقدين أن طريقة عيشهم أكثر أصالة من حياتنا.
لكن ليست جميع الوجهات متساوية في هذا الصدد. باركين يشرح مفهوم "انحياز المكانة"، أي ميلنا إلى تبنّي سلوكيات الأماكن التي نعتبرها مرموقة. الوجهات الكلاسيكية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان تتمتع بمكانة عالية لدى السياح الأمريكيين لارتباطها بالموروث الثقافي الغربي. عندما يتبنّى السائح نبرة إنجليزية في لندن، فإنه يحاول استعارة جزء من المكانة الاجتماعية للمكان.
ظاهرة أخرى حديثة تُعرّف بـ"المكانة الخفية"، وتُرتبط بصعود وسائل التواصل الاجتماعي. المسافرون يضفون صورة رومانسية على المجتمعات الريفية والأصلية والأقل نمواً، ليقدموا أنفسهم بوصفهم مختلفين عن السياح التقليديين. يستعرضون رصيداً ثقافياً متخصصاً يهدف ليس فقط إلى الارتباط بالمجتمع المحلي، بل أيضاً الإيحاء بأنهم أرفع مكانة من الزوار العاديين.
تحت هذا الإطار يندرج السائح الأمريكي الذي تعلم الإسبانية في غواتيمالا فأصبح لا يأكل سوى التورتيلا، والكندي العائد من لاوس الذي يضم كفيه وينحني كلما ناوله أحد شيئاً، والأوروبيون يجوبون الهند بحقائب الظهر مرتدين الساري والدوتي.
هذا التبنّي للثقافات قد ينظر إليه أيضاً كنوع من المزايدة والاستعراض، لا سيما عبر وسائل التواصل: شخص ما ينتظر الفرصة لالتقاط صورة مثالية وهو يؤدي وضعية يوغا أمام شروق الشمس، وآخر سيعود ليُعلّم العالم إعداد أطباق محلية بإتقان لم يكن يعرفها قبل رحلته.
في النهاية، قد يكون هذا السلوك موجهاً بقدر أكبر نحو الذات أكثر مما هو موجه للآخرين؛ فالشخص يحاول إثبات لنفسه مقدار التغيّر الذي طرأ عليه عبر اكتساب هويات مؤقتة جديدة، حتى لو بدا متصنعاً في أعين من حوله.


