شهدت اتجاهات السفر لدى النساء تحولاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث تتجاوز الرحلات مجرد تغيير الأجواء لتصبح فرصة للبحث عن الحرية والاستقلالية وإعادة الاتصال بالذات.
تجسد تجربة البلوغر والمصورة رنا خضرا هذا التحول من خلال رحلتها إلى كولومبيا وغابات الأمازون، حيث لم تقتصر على استكشاف وجهة جديدة بل شكلت رحلة داخلية أعادت تعريف علاقتها بالمغامرة والطبيعة والإنسان.
تجمع خضرا بين شغفها بالسفر والتصوير والتصميم، وترى الرحلات مساحات لاكتشاف العالم من خلال تفاصيله الإنسانية والبصرية. وتؤمن بأن قيمة السفر بمفردة لا تكمن فقط في الوجهة، بل في القرارات التي تتخذها المرأة خلال الطريق وفي كل اختيار يعزز ثقتها بنفسها.
ترى خضرا أن لحظة الوصول إلى مكان لا يعرفك فيه أحد تعني اختفاء التوقعات والأدوار المعتادة، مما يوفر فرصة لرؤية الذات بعيداً عن أي تعريف يضعه الآخرون. وتوضح: "هناك شيء يحدث عندما لا يعرف أحد من أنت. لا توقعات، لا سمعة، لا أحد يخبرك من كنت دائماً. فقط أنت."
في هذه المساحة، ترى خضرا أن المرأة تستطيع اختبار جوانب مختلفة من شخصيتها ومنح نفسها حرية الاختيار بعيداً عن العادات والروتين. وتؤكد أن "السفر وحدك يجبرك على أن تثقي بنفسك، أن تشعري بعدم الراحة، أن تتواصلي مع أشخاص لم تكوني لتلتقي بهم، وأن تكتشفي أجزاء من نفسك لا تظهر إلاّ عندما لا يكون هناك أحد مألوف حولك."
تخالف خضرا الاعتقاد السائد بأن السفر المنفرد يرتبط بالعزلة، بل ترى أن غياب الرفقة المعتادة يجعل المرأة أكثر استعداداً للتواصل والاستماع إلى قصص الآخرين والانفتاح على ثقافات جديدة. وتقول: "غالباً ما يعتقد الناس أن السفر بمفردك يتعلق بأن تكوني وحيدة. بالنسبة لي، الأمر عكس ذلك تماماً. إنه الوقت الذي أصبحت فيه أكثر اجتماعية."
رجّحت خضرا بداية اتباع فضولها بدلاً من انتظار الأصدقاء لتجربة رحلة أيسر، فقررت حجز كولومبيا بمفردها. وصفت البلد بأنه مكان مليء بالحياة، حيث الألوان والموسيقى والرقص جعلتها تشعر بأن الفرح لغة يفهمها الجميع.
امتدت اكتشافات خضرا إلى قلب غابات الأمازون، حيث عاشت من وصفتها بأكثر محطات رحلتها تأثيراً. شاهدت علاقة عميقة بين السكان والطبيعة، حيث لا تمثل الغابة مجرد مكان للعيش بل جزءاً أساسياً من هويتهم. وتقول: "الغابة ليست فقط المكان الذي يعيشون فيه، إنها جزء من هويتهم. يأكلون منها، يشفون بها، يتعلمون منها ويحافظون عليها."
جعلتها تجربة السباحة في نهر الأمازون والسير تحت الأشجار القديمة واللقاءات التي صنعتها الرحلة تدرك أن النمو الحقيقي يبدأ غالباً خارج المساحات التي نشعر فيها بالأمان.
ترى خضرا أن أجمل ما تمنحه الرحلات المنفردة هو التحول الداخلي الذي يحدث خلالها. فالمرأة لا تعود فقط بصور وذكريات، بل بخبرة جديدة وشعور مختلف تجاه نفسها. وتوضح: "تغادرين بالطبع مع الذكريات، لكن الأهم أنك تغادرين مختلفة عما كنت عليه عندما وصلت. كل رحلة منفردة غيرتني بطريقة ما، ليس لأنني رأيت مكاناً جديداً، بل لأنني أصبحت شخصاً جديداً قليلاً أثناء وجودي هناك."
توجه خضرا دعوة لكل امرأة تشعر بالخوف من السفر بمفردها أن تمنح نفسها فرصة المحاولة، معتبرة أن المغامرة الحقيقية لا تكمن دائماً في اكتشاف بلد جديد بل في اكتشاف الذات. وتختتم: "إذا كان السفر بمفردك يخيفك… اذهبي رغم ذلك. لأن أعظم مغامرة ليست دائماً اكتشاف بلد جديد، بل اكتشاف من تكونين عندما لا يعرفك أحد مسبقاً."


