أخيرا توفر السلم الذي أنزل محمود عباس عن الشجرة. لجنة المتابعة العربية هي التي اعطته الاذن لاجراء محادثات غير مباشرة مع اسرائيل ولن تزيد مدتها عن اربعة اشهر وانتقالها الى المحادثات المباشرة لن يتم الا اذا جمد البناء في المستوطنات بشكل مطلق. المفاوضات، كما هو معروف، لا يمكنها ان تموت موتا سريريا، وعليه فانها نالت حقنة اضافية. والنتيجة هي ان خطوة كان يمكن تحقيقها منذ تشرين الثاني الماضي، عندما تم الاعلان عن التجميد، جرت كجثة حتى آذار، ومعقول ان تعلق مرة اخرى بالضبط في ذات نقطة تموز، عندما يحين موعد المحادثات المباشرة. ولكن في حينه سنكون قبل شهرين فقط من نهاية فترة التجميد وسيكون ممكنا تنفس الصعداء. البناء والاستيطان بالجملة. اذ في جملة الادوات المتداخلة، ما ينزل عباس عن الشجرة يغرق اسرائيل عميقا في الوحل. المحادثات غير المباشرة هي اختراع جيد، لو كان الحديث يدور عن عدو لا يوجد حوار معه وينبغي التوصل معه الى اتفاق على الشروط لمجرد اجراء المفاوضات؛ او لو كان الحديث يدور عن دول ومنظمات لا تعترف الواحدة بالاخرى. هكذا كان في المحادثات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا، والتي استهدفت بلورة شروط مسبقة واجمال ما اتفق عليه حتى الان، او في المفاوضات غير المباشرة التي تجري بين اسرائيل وحماس. اما مع الفلسطينيين فالوضع مختلف جوهريا. بين الطرفين تسود معرفة عنيدة السنين، تعاون أمني، فهم للاحتياجات المتبادلة، اتفاقات موقعة، وبالاساس اعتراف متبادل في حق وجود دولتين الواحدة الى جانب الاخرى. ظاهرا، هذه ليست فترة مدريد 1991 اخرى، والتي ولدت محادثات التقارب بين اسرائيل ووفد فلسطيني – اردني وبعد ذلك بين الوفدين كل على حدا. الاريكة التي وضعتها في حينه وزارة الخارجية في الرواق كي تسمح للطرفين بادارة "محادثات رواق" كون اسرائيل عارضت الجلوس مع الفلسطينيين وحدهم في غرفة واحدة، لا بد انها بيعت لتجار الخردة مع تنزيلات بحيث لا تكون حاجة بعد ذلك لها. خطأ. بعد 19 سنة من مدريد، 17 سنة من اوسلو؛ حرب في افغانستان؛ حرب في العراق؛ دول قامت في اعقاب انحلال الاتحاد السوفياتي؛ ايران التي بدأت في حينه فقط في لعق جراح الحرب الايرانية – العراقية باتت في الطريق الى قنبلة نووية؛ انتفاضة؛ خمس ونصف ولايات لرؤساء امريكيين؛ سبعة وزراء اسرائيليين ورئيسين فلسطينيين – ومرة اخرى يعودون الى نقطة الصفر. الى محادثات غير مباشرة ومحادثات رواق. الى الاريكة وصيغة مدريد. هذا الديكور المعروف لم يعطي شيئا في الماضي ولا اساس للافتراض في أن ينجح هذه المرة. اسرائيل والفلسطينيون لا يحتاجون بعد اليوم الى خطوات لبناء الثقة، لازالة الحواجز او صرف البؤر الاستيطانية. فهم يعرفون الواحد الاخر على نحو جيد جدا ويعرفون بأن هذه خطوات مخلولة حتى لو نفذت فليس فيها الا ما يطيل حياة الاحتلال. "خريطة الطريق" التي رسمها جورج ميتشل، سارت هي ايضا الى طريق مسدود. شارة الثمن الفلسطينية في المحادثات المباشرة لن تستبدل بمحادثات غير مباشرة. تجميد المستوطنات كان ولا يزال الشرط الاساس للفلسطينيين. واعتبار القدس الشرقية عاصمة فلسطينية لا يمكنه ان يستوي مع البناء اليهودي فيها. مساحة فلسطين، التي هي ظاهرا الجانب السهل في المفاوضات، معروفة هي ايضا، وهكذا ايضا التواصل الاقليمي اللازم من اجل اقامة دولة قابلة للحياة. المستوطنات لا تستوي وهذه المبادىء وتفكيك بعض منها هو شرط ضروري. ولكن حكومة اليمين، حتى وهي مزينة ببعض من ممثلي حزب العمل، لا تستوي وتجميد المستوطنات، فما بالك وتفكيكها. الشروط الاساس للفلسطينيين تتعارض وشروط وجود حكومة نتنياهو وعليه فلا يغير في الامر من شيء في أي صيغة ستدور المحادثات. اذ في الميزان الذي بين وجود الحكومة وشروط وجود الدولة – الحكومة بالطبع هي الاهم. التشجيع الوحيد الذي يمكن ان يستمده المرء من هذه المحادثات يكمن في أن الوسيط الامريكي اصبح جزءا من الثمن. اذ انه هو في نهاية المطاف سيتعين عليه ان يقرر من المذنب في الفشل. هذا هو السيف الوحيد الذي يمكنه أن يهدد اسرائيل والفلسطينيين. ولكن اذا حاكمنا الامور حسب مدى الالتزام الامريكي حتى الان في حل النزاع، يجمل بنا الا نوقف التنفس. فهم سرعان ما لطفون موقفهم الحازم من التجميد. المشكلة هي ان ليس براك اوباما هو الذي يتعين عليه ان يتعايش مع نتائج الفشل.